الذين يقولون إن الاحتلال الأميركي للعراق هو السبب في ما يجري فيه اليوم محقون. أميركا احتلت العراق، قامت بحل جيشه، ولم تغادره إلا بعد أن أصبح العراق ثلاث دول تحكمها بالاسم حكومة مركزية في بغداد.
والذين يقولون إن المالكي هو سبب ما يجري فيه اليوم لديهم وجهة نظر أيضاً. المالكي لم يعمل على إقامة حكومة توافقية توزع خيرات البلاد وسلطته بين شعبه بالتساوي، كان بإمكان المالكي على الأقل إعادة إحياء الجيش العراقي بدون ضباطه الكبار الذين شاركوا في قمع شعبهم أيام حكم صدام وكان بإمكانه أن يسعى إلى التوافق بطريقة ترضي فئات الشعب العراقي كافة لا أن يقصي جزءاً مهماً منهم كما فعل.
لكن الدراسات المقارنة تشير لحقائق أخرى يجب عدم إغفالها أيضا حتى تكتمل الصورة.
عندما أسقطت أميركا قنبلتيها النوويتين على اليابان العام 1945 كانت نسبة المنشآت اليابانية المدمرة تزيد على ستين في المائة والقنابل النووية زادت من حجم الدمار وعظمة الخسائر المادية والبشرية، لكن اليابان اليوم من أقوى دول العالم صناعياً وأكثرها تنظيماً وشعبها ينعم برخاء يحسدها عليه الغالبية العظمى من سكان الأرض.
ألمانيا خاضت حربين عالميتين ودُمرت مرتين وقسمت لأكثر من أربعين عاماً ولا تزال فيها قواعد عسكرية أميركية ولكنها اليوم قد تكون الدولة الأقوى والأكثر تأثيراً في أوروبا جميعها.
عندما غادرت أميركا فيتنام كان هناك أكثر من مليوني قتيل وكان كل شيء تقريبا قد سوي بالأرض. فيتنام الجنوبية كانت حليف أميركا وكان هناك أكثر من نصف مليون فيتنامي يقاتلون إلى جانب القوات الأميركية. غادرت أميركا وتوحدت فيتنام ولم يحدث فيها حرب أهلية بفعل وقوف جزء من الفيتناميين إلى جانب أميركا.
لماذا نجحت هذه الدول، التي دمرتها أميركا بالكامل، في إعادة إنتاج دول أقوى مما كانت عليه، بينما لا يزال العراق أسيراً لصراعاته المذهبية والإثنية ولا زالت الحرب تحصد من أرواح أبنائه أربعة آلاف سنوياً منذ غادرت القوات الأميركية أراضيه قبل خمس سنوات؟.
تنظيم أبي مصعب الزرقاوي، وهو تنظيم "داعش" حالياً استهدف كل ما هو "شيعي" في العراق، بين عامي 2005 و2006 قتل هذا التنظيم من العراقيين المدنيين أكثر من اثنين وخمسين ألفاً في تفجيرات انتحارية وسيارات مفخخة واشتباكات نارية مسلحة، العمليات الانتحارية طالت المساجد والمزارات والأسواق التجارية. يذكر موقع (إحصاء جثث العراق) أن ثمانين تفجيراً انتحارياً خلال السنتين تسببت بمقتل 6800 عراقي وجرح أكثر من 16 ألفاً آخرين.
مأساة العراق مثل بقية مآسي الدول العربية سببها الأساسي النخب السياسية التي تسيطر على صناعة الرأي العام وتحاول حشد الجمهور في اتجاه مصالحها الضيقة الخاصة بها. الجرائم التي تقوم بها "داعش" اليوم في العراق يسميها اتحاد علماء المسلمين بالثورة الشعبية، ربما يجب البحث عن الجهة الممولة لهؤلاء "العلماء" لمعرفة سبب دعمهم للتنظيم بهذا الحجم من التطرف والدموية.
بعض جماعات الإخوان المسلمين يطلقون على جرائم "داعش" لقب الثورة السنية في العراق، وكأن القتل الأعمى التي تقوم به هذه العصابات عليه أن يصبغ بصفة "سنية" حتى تعطى شرعية لجرائمه ويحصل على تعاطف جزء من الجمهور. هم لم ينسوا بالتأكيد أنهم اصطفوا إلى جانب تنظيم "النصرة" القاعدي في سورية لقتال "داعش" وطردها من جميع الأراضي التي تمكنوا من سحقها فيها، لكن في العراق لا مانع من تصوير "داعش" على أنها تقود ثورة طالما أنها تقاتل "الشيعة".
حتى في الوسط القومي العربي، البعض أعماه كرهه "للغرب" عن رؤية حقيقة "داعش" ويرى في دولتها المزعومة فرصة لإنهاء اتفاقات سايكس - بيكو، يريدون أن يستبدلوا الحدود الجغرافية السياسية التي فرضها الاستعمار البريطاني والفرنسي على المشرق العربي بحدود جغرافية طائفية ألعن وأسوأ من الحدود السياسية التي نعرفها اليوم.
عندما لا تكون النخب وطنية لا تتوقع منها الحديث عن دولة مواطنة وحقوق متساوية للجميع وقنوات للحوار بين الأطراف المتصارعة لكن توقع منها تبريراً لما يجري وتحريضاً على استمراره.
دعونا نسلم بأن المالكي، رئيس وزراء العراق، قد انتهج سياسة طائفية تميز "الشيعة" عن "السنة"، هل دعم "داعش" من قبل "علماء" الأمة المسلمين سيلغي الطائفية في العراق أم سيعمل على تأجيجها، وهل ستتوقف الثورة "السنية" قبل أن تحصد ملايين البشر!.
تحافظ النخب السياسية في الدولة الوطنية الديمقراطية على اتفاقات غير رسمية (بمعنى اتفاقات غير مكتوبة ولكن، متفاهم عليها ضمناً ومحمية بقوة أخلاقية) مهما احتد الصراع بينها، أهمها: عدم اللجوء للعنف لحل الخلافات السياسية ومن يلجأ له يتخلى الجميع عنه؛ عدم الدفع باتجاه صراعات مذهبية أو عرقية قد تؤدي إلى إضعاف الدولة أو تمزيقها ومن يقوم بذلك يجد نفسه في صراع مع الجميع؛ الدفع دائما باتجاه حلول وسط للمشاكل السياسية يحقق الجميع من خلالها جزءاً من أهدافهم، بمعنى لا يشعر طرف بأنه خرج من الصراع خالي اليدين؛ لا تتسامح النخب الوطنية مع التميز العرقي أو الديني أو لأي أسباب أخرى لأن في ذلك إهداراً لقيم المواطنة التي تقوم عليها الدولة الوطنية الديمقراطية.
حتى في الدول الوطنية غير الديمقراطية مثل روسيا والصين وغيرها الكثير، هناك حدود لا تسمح النخب الوطنية لنفسها بتجاوزها حرصاً منها على أوطانها منها مثلاً عدم السعي لاستدعاء تدخل خارجي في بلدانها.
سلوك النخب العربية، سواء تلك التي تقف ضد أنظمة الاستبداد بينما تغذي الطائفية والاقتتال الدموي أو تلك التي تقف مع أنظمة الاستبداد وتدافع عن جرائمها، يؤكد فقط غياب الدولة الوطنية في العالم العربي، لكنه لا يفسر سلوك هذه النخب، بمعنى لا يفسر سبب عدم سعي هذه النخب لإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية حتى عندما توفرت لها الفرصة للقيام بذلك، على الأقل في تونس ومصر، بعد ثوراتها المظفرة، وهذا يحتاج إلى دراسات استقصائية لمعرفة أسبابه.


