مع ان اسرائيل حتى هذه اللحظة لم تقدم لنا ولا لغيرنا الدليل ولا حتى القرينة او المؤشر على أن حركة حماس هي المسؤولة عن هذا الاختطاف، ومع كل الدلائل المتوفرة تلقي بالكثير من الشك على "الرواية" التي هي مجرد ادعاء ومزاعم تنقصها كل الأسانيد المتعارف عليها في مثل هذه الحالات، ومع أن أحداً عاقلاً لا يمكنه ان "يهضم" التبرير الاسرائيلي حول تأخير علم الجيش لمدة كافية حتى لمجموعة من الهواة للهرب والاختفاء بكل بساطة وراحة، الا ان احداً لم يسأل نفسه (لا في اسرائيل ولا خارجها) السؤال التقليدي المعهود، ما هي مصلحة الاطراف في الاختطاف وما هي مصلحة الاطراف من هذا الاختطاف وما هي الاهداف التي تتوخاها والاهداف التي يمكن استثمارها من هذا الاختطاف.
حركة حماس اذا كنا نتحدث عن مستواها الرسمي العام، واذا كنا نتحدث عن مصالحها الخاصة النابعة من الواقع المحيط ليس لها مصلحة حقيقية في هذا الاختطاف.
فحركة حماس لم تكن لتتقدم خطوة واحدة جدية، باتجاه المصالحة لولا ان حساباتها قد قادتها الى انها (اي الحركة) فقدت ظهرها الاقليمي الاكبر وهو نظام الاخوان في مصر بعد ان كانت قد فقدت الساحة السورية والى حد ما الساحة اللبنانية وكذلك الدعم الايراني، كما انها فقدت "حميّة" الدعم القطري بعد مأزق قطر مع بلدان مجلس التعاون الخليجي اضافة الى الآراء الواضحة بضرورة الذهاب الى المصالحة التي سمعتها حماس من تركيا وتونس والسودان.
باختصار لم يعد ممكنا ولا مقبولاً ان تظل حركة حماس خارج المعادلة الاقليمية بالكامل وهي اصلا خارج المعادلة الدولية، ما يعني ان المصالحة تحولت في ضوء كل ما تقدم مصلحة مباشرة لحركة حماس.
اذا كان الامر كذلك - واغلب الظن انه كذلك فعلاً - فإن حركة حماس التي يمكنها من خلال المصالحة ان تفك "الحصار" عن نفسها وان تعود لتكون مقبولة في المحيط الاقليمي، وكذلك المحيط الدولي لا يمكنها منطقيا ان تجازف بمثل هذه العملية وهي التي تدرك ابعادها وتداعياتها والاخطار الخاصة عليها جراء عمل كهذا!!
هذا كله طبعاً اذا ثبت ان خلفية هذه العملية هي خلفية سياسية او ذات ابعاد من هذا القبيل.
الاحتمال الذي يتبقى (وهو مجرد افتراض) هو ان جناحا من الحركة لا يعير بالا للمصالحة او هو يقف ضد هذه المصالحة قد اراد ان "يقلب الطاولة" على رأس السلطة وعلى رأس حركة حماس لاسباب تتعلق برؤية هذا الجناح وبعلاقاته الاقليمية وارتباطاته التي تجعل منه مجرد اداة تنفيذية لموضوع اكبر من دائرة هذا الجناح ومن رؤيته الخاصة.
ويمكن في هذه الحالة ان "نفهم" لماذا اختار هذا الجناح هذا التوقيت بالذات، فقد ثبت بالملموس لهذا الجناح - اذا كان هو من قام بهذه العملية - ان عود المصالحة ما زال طرياً كما ان قضية الاسرى ساخنة للغاية، وهو الامر الذي سيخلق جواً شعبيا مؤيداً لكل عمل من شأنه ان "ينقذ" الاسرى من معركة بات فيها الموت او الاستشهاد هو اقرب الاحتمالات واكثرها ترجيحا ما دامت اسرائيل على نفس مواقفها من الاعتقال الاداري.
كما ان احد الاحتمالات هو ان تكون هناك خلايا نائمة لمجموعات متطرفة يتم الايعاز لها من الخارج تهدف الى كسب ارضية سياسية بالنظر الى حساسية "الاسرى".
وقد تدخل الخطوط على بعضها وتتداخل الى ابعد التعقيدات واكثرها غرابة.
وعلى الرغم من اهمية هذا التداخل فإن الامر الاكثر اهمية هو ردة الفعل الاسرائيلية.
هنا يكمن جوهر الموضوع. فاسرائيل شرعت عمليا بعملية اجتياح للضفة الغربية ويبدو ان الامر اكبر بكثير من مجرد بحث عن ثلاثة مخطوفين.
الاعتقالات (منظمة) عاماً، وهناك بنك اهداف وهناك انتقال من منطقة جغرافية الى اخرى وخلال نفس الفترة الزمنية، وهناك مداهمات لمؤسسات اجتماعية واعلامية، وهناك انتقال من "معاقل" لحماس الى معاقل لفتح، ويمكن ان تمتد الى فصائل اخرى وخصوصا الجهاد الاسلامي و"الشعبية" وقد تتطور الامور الى ابعد من كل التصورات.
اذن لسنا امام عملية استخبارية وانما امام اجتياح حقيقي وامام خطة متكاملة لا يمكن ان تكون وليدة اللحظة الراهنة او مجرد ردة فعل كبيرة او صغيرة على عملية الاختطاف.
فهل تكون اسرائيل قد وجدت "ضالتها" في هذه العملية لتنفيذ مخططات كانت معدة وجاهزة لكي تمهد لسياسات قادمة تستهدف "حسم" قضية الضفة مبكراً او لحسمها قبل ان يتاح لأحد وقف "المخطط" اليميني واليميني المتطرف في اسرائيل حتى من داخل اسرائيل نفسها؟؟
وهل يمكن ان تكون اسرائيل قد حولت بسرعة البرق هذا "التحدي" الامني "المباغت" الى فرصة استثمارية لتغيير وجهة النقاش في إسرائيل وتغيير اتجاه الأحداث في المنطقة لخروج اسرائيل من دائرة الضغط؟؟
ثم هل تكون إسرائيل بهذه الطريقة قد قطعت الطريق على كل الأصوات التي كانت تنادي بالبحث عن حل وسط لقضية اضراب الأسرى والمواقف المطلوبة على صعيد ما بات يلحقه الاعتقال الإداري من اذى وأضرار بسمعة إسرائيل؟؟
كل هذا وارد وهو في دائرة الاحتمالات المرجحة ومن امور تنذر بأن ثمة مواجهة قادمة بين اسرائيل وبين الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وعلى مستويات مختلفة يصعب بل ويستحيل التحكم بوتائرها وأشكالها وبكل تبعاتها.
وعلينا ان نعد انفسنا لمجابهة طويلة قادمة الرابح فيها هو من يمتلك إرادة المواجهة والقدرة على الصمود والقدرة على إدارة المعركة من موقع المصالح الوطنية الخاصة بنا وبالوسائل المناسبة لنضالنا وفي الميادين التي نختارها نحن، وليس بالوسائل التي تخطط إسرائيل لجرنا اليها او الميادين التي تستطيع فيها إسرائيل ان تحقق أهدافها.


