خبر : لماذا تدمير العراق صناعة أميركية؟ ...بقلم: علي جرادات

الخميس 19 يونيو 2014 01:42 ص / بتوقيت القدس +2GMT



ما يجري في العراق تصعيد نوعي خطير ينذر برسم معادلات سياسية إستراتيجية جديدة سيكون ما بعدها غير ما قبلها داخل العراق ومحيطه العربي وجواره الإقليمي، لماذا؟ الاستيلاء السهل والسريع والمفاجئ على مدن غرب العراق، يتجاوز طاقة تنظيم "داعش" وإمكاناته بالمعاني كافة. ناهيك عن أن تنظيم "داعش" هذا لا يعدو كونه مجرد "شجرة" في غابة انتشار التنظيمات التكفيرية الإرهابية وتناميها تنامياً بكتيرياً، وإن بتفاوت، في كل من العراق وسورية ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، (والحبل على الجرار)، بل وتعاظم قوة هذه التنظيمات لدرجة السيطرة على معظم مدن ليبيا ومدن شرق سورية ومدن غرب العراق حيث أقيمت "إمارات إسلامية" تحكم بأفكار عتيقة مستقاة، شكلاً ومضموناً، من أفكار حركة طالبان ورديفها تنظيم القاعدة في أفغانستان.

لذلك، وبعيداً عن نظرية المؤامرة، ومع الإقرار بأن نشوء التنظيمات التكفيرية الإرهابية في بلدان "الممانعة" العربية كان بمثابة الإجابة الخاطئة عن السؤال الصحيح: استبداد هذه الأنظمة وفسادها وفشل مشروعها القُطري في بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة، فإن كلَّ من يتجاهل، (بقصد أو بغير قصد)، دور الولايات المتحدة وتوابعها من الحكام العرب والإقليميين في تعاظم قوة هذه التنظيمات هو كمَن "يرى الذئب ويقتفي أثره". أما لماذا؟
تنظيم "داعش" الذي يجري تصويره كصانع للتهديد الإستراتيجي المحدق بوحدة العراق، هو، (كغيره من التنظيمات التكفيرية الإرهابية)، ليس نبتاً شيطانياً، ولا ولِدَ فجأة أو على حين غرة، بل فرع لتنظيم "القاعدة، رديف حركة "طالبان" الأفغانية التي صنعتها في بداية ثمانينيات القرن الماضي الاستخبارات الأميركية بتمويل سعودي ودعم لوجيستي باكستاني لمواجهة القوات السوفييتية في أفغانستان ضمن لعبة "الحرب الباردة" بين قطبيْ النظام الدولي آنذاك.
تلك حقيقة يعرفها القاصي والداني، ولا يلغيها أو يقلل من دلالاتها، انقلاب سحر تنظيم "القاعدة" على الساحر الأميركي في "غزوة" مانهاتن ونيويورك في 11 أيلول 2001.
بل إن إعلان الولايات المتحدة "الحرب على الإرهاب" بعد احتلال أفغانستان، لا يمسح، ويجب ألا يمسح، مسؤولية السياسة الأميركية وتوابعها من الحكام العرب والعجم عن نشوء الجيل الثاني من الجماعات التكفيرية في العراق أو عن نشوء الجيل الثالث منها في سورية وأقطار عربية أخرى، ذلك للأسباب الثلاثة الأساسية الآتية:
الأول: استخدام الولايات المتحدة "شعار الحرب على الإرهاب" غطاء لاحتلال العراق وتدميره، وذريعة للتدخلات الأميركية العسكرية وغير العسكرية، المباشرة وغير المباشرة، في أكثر من قطر عربي.
الثاني: التعامل الأميركي المتناقض مع هذه الجماعات التكفيرية، فهي إرهابية حيثما، وعندما، تمس المصالح الأميركية في المنطقة العربية: ثروة العرب النفطية وأمن إسرائيل ومنافذ التجارة العالمية، لكنها، (الجماعات التكفيرية)، تصبح قوى ثورية حيثما، وعندما، تخدم هذه مصالح الولايات المتحدة وتوابعها. هكذا تم التعامل معها عملياً في كل من ليبيا وسورية، وبدرجة أقل في مصر، (مثلاً).
الثالث: مساعدات الولايات المتحدة للدول العربية في محاربة الإرهاب قط لم تكن "لوجه الله"، بل هي إما ذريعة أو غطاء لبدء، أو لاستعادة، أو لتعميق، السيطرة الأميركية على هذه الدولة أو تلك، أو عليها وعلى جوارها معاً.
وأظن، وليس كل الظن إثماً، أن هذا هو الغرض الفعلي الكامن خلف إبداء الولايات المتحدة الاستعداد لمساعدة الحكومة العراقية المدعومة من إيران في مواجهة "داعش" في معركة مدن غرب العراق الواقعة على الحدود الشرقية لسورية التي ما انفكت الولايات المتحدة تبحث عن غطاء لتوسيع نطاق تدخلها العسكري غير المباشر فيها.
وأكثر من ذلك: في نهاية العام 2011، بعد قرابة تسعة أعوام من احتلال الولايات المتحدة للعراق، خسرت خلالها، (حسب الأرقام الرسمية الأميركية)، 4474 قتيلاً، و33 ألف جريح، وحوالي تريليون دولار، حزمت القوات الأميركية حقائبها وانصرفت. لكن متى؟ بعدما قتلت مئات الآلاف من أبناء العراق، وتركت أضعاف أضعافهم جرحى ومشردين ولاجئين، ودمرت اقتصاده، وأجهزت بالاغتيال على خيرة علمائه، وفرغته بالتهجير من أفضل كفاءاته، ونهبت ما استطاعت من ثرواته، وحولته إلى مرتع لأجهزة الاستخبارات بجنسياتها المختلفة، وفي مقدمتها جهاز الموساد الإسرائيلي.
والأهم من كل ما تقدم بعدما فككت بنى الدولة العراقية، وأولاها جيشه الوطني، وبعدما نشرت الانقسامات الطائفية والمذهبية والجهوية داخل نسيجه الوطني والمجتمعي ودستوره ونظامه السياسي، وحولته إلى دولة ضعيفة تغزوها وتتنامى داخلها الجماعات التكفيرية المسلحة، وتتنافس على النفوذ فيها الدول المجاورة.
وكل ذلك دون أن ننسى أن إسرائيل، حليف الولايات المتحدة الإستراتيجي في المنطقة، كانت، ولا تزال، أكثر المستفيدين مما أصاب العراق، بفعل الاحتلال الأميركي، من دمار وتفكك رهيبيْن، ومن خسائر بشرية ومادية تجاوزت كل حدود المعقول، ومن صعود نخب سياسية متنازعة ذات نزعات تقسيمية لكل واحدة منها مليشيتها الخاصة، ومن نظام حكم تأسس على المحاصصة الطائفية والمذهبية، وينخره فساد مالي وإداري وسياسي استشرى حتى صار قاعدة عامة، فيما إجراء الانتخابات ليس سوى ساتر لعيوب هذا النظام وثغراته وخلله البنيوي وهشاشته وقابليته للانكسار وإنتاج كل عمليات التقتيل والتذبيح والتدمير بالسيارات المفخخة التي ما انفكت تحصد أرواح أبناء العراق من أقصاه إلى أقصاه.
ما تقدم يعني أن قوات الاحتلال الأميركي لم ترحل عن العراق إلا بعدما زرعت فيه كل عوامل التقسيم والتجزئة والتحول إلى دولة فاشلة، بمعزل عن الأداة أو الأدوات، المحلية منها والمستوردة، التي تُستخدم غطاء لتقسيم العراق: الهدف الأساس من وراء الاحتلال الأميركي للعراق أكثر الأقطار العربية تعقيداً من حيث تركيبه الديني والمذهبي والعرقي.
قصارى القول: الخطر المحدق بوحدة العراق الدولة والجغرافيا والمجتمع هو خطر إستراتيجي فعلي لم يصنعه، ومثله الخطر المحدق بوحدة سورية، تنظيم داعش وغيره من التنظيمات التكفيرية الإرهابية التي لا تعدو كونها أدوات لتنفيذ سياسة أميركية إستراتيجية تطال أكثر من قطر عربي، بشكل مباشر حيناً، وبشكل غير مباشر حيناً آخر.
فتنظيم "داعش" وغيره من التنظيمات التكفيرية الإرهابية صنيعة أميركية أصلاً، بينما تعاظم قوتها وصولاً إلى سيطرتها على رقعة جغرافية عراقية وسورية واسعة ومتصلة ليست سوى نتائج بعيدة المدى لاحتلال الولايات المتحدة للعراق، وتدخلها السياسي والدبلوماسي المباشر والعسكري غير المباشر في سورية لتدميرها، كالعراق وليبيا، دولة وجيشاً واقتصاداً ونسيجاً وطنيا ومجتمعياً.
هذا هو دور الولايات المتحدة وحلفائها من الحكام العرب في اعتراض سبيل الانتفاضات الشعبية العربية نحو تحول ديمقراطي برجوازي يحقق الحرية والكرامة والاستقلال الوطني ومتطلبات التنمية والعدالة الاجتماعية لتقليص الفجوات الطبقية.
وإزالة لكل التباس يجدر القول: إن التشديد على دور الولايات المتحدة وحلفائها من الحكام العرب في العمل على تخريب الانتفاضات الشعبية العربية وحرفها عن مسارها وأهدافها عبر تحويلها إلى حروب طائفية ومذهبية وعرقية لا يعني إنكار أن المشروع القُطري في البلدان التي ناهضت السياسة الأميركية في حقبة ما بعد الاستقلال الوطني قد استنفد طاقته، حيث استبدت وشاخت قواه القديمة في كل من العراق وسورية واليمن وليبيا، بينما استبدت وارتدت على يد نظام السادات ومبارك في مصر التي يصعب تصور دوران عجلات المشروع القومي النهضوي العربي، بشكل ملحوظ، من دون نهوضها ولملمة جراحها والاطمئنان إلى سياسات حكامها الجدد، إن لناحية بناء مشروع تنموي مستدام بقاعدة اقتصادية انتاجية، أو لناحية تأمين الحريات ودمقرطة النظام السياسي، أو لناحية تحرير الإرادة الوطنية من إسار التبعية للولايات المتحدة واستعادة الدور القومي.