تصر إسرائيل على أن المستوطنين الثلاثة المختفين منذ ستة أيام اختطفوا من قبل حركة "حماس" وتحمل الحركة والسلطة الوطنية المسؤولية عن سلامتهم وإعادتهم إلى ذويهم.
ويبدو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد وجد في هذه العملية ضالته التي يبحث عنها فهو في وضع صعب داخلياً وخارجياً، بعد فشل العملية التفاوضية التي يظهر للعالم أجمع بما في ذلك الولايات المتحدة أن إسرائيل السبب الرئيس في فشلها، وفي ظل وجود مشكلات في ائتلافه وحتى في حزبه ومشكلات اقتصادية يبدو أنها ستقود إلى ركود في الاقتصاد الإسرائيلي، وبالنسبة إليه فهذه تعزز موقفه الرافض لفكرة المصالحة الفلسطينية وإنشاء حكومة توافق وطني بموافقة كل القوى الوطنية والإسلامية من شأنها أن تنهي الانقسام.
وهو يرى أن حربه الإعلامية ضد حكومة التوافق الوطني الآن يمكن أن تكتسب أبعادا أوسع وتحظى بتفهم وتأييد أكبر من السابق، خاصة وأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لم يشتريا بضاعته التي حاول تسويقها لتبرير رفض الحكومة الفلسطينية واعتبارها تحالفاً بين الرئيس أبو مازن مع حركة "حماس" ضد إسرائيل وضد عملية السلام، وبالتالي فتشكيل الحكومة الفلسطينية مبرر لوقف العملية التفاوضية وليس تخلي إسرائيل عن الوفاء بالتزاماتها وبالذات الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين.
بغض النظر عن الذي حصل مع المستوطنين المفقودين والموقف من العملية، إذا صح أن هناك عملية اختطاف نفذتها مجموعة فلسطينية، فالشيء الذي لا يدركه غالبية الإسرائيليين هو أن الوضع في المناطق الفلسطينية يغلي بسبب قضية الأسرى والمعتقلين التي تتفاعل بشكل كبير بسبب إضراب المعتقلين الإداريين الذي يستمر منذ 56 يوماً والذين نقل قسم كبير منهم إلى المستشفيات وبعضهم في حالة الخطر.
والحكومة الإسرائيلية تساهم في كل يوم باجراءاتها وقوانينها العنصرية في توتير وشحن الأجواء، فمرة يسنون قانوناً يمنع رئيس الدولة من العفو عن معتقلين معينين حتى في إطار عملية سياسية بهدف عرقلة أي تحرير للأسرى، ومرة يمررون قانوناً آخر يستهدف فك إضراب المعتقلين عن طريق إطعامهم بالقوة، حتى لا تضطر الحكومة الإسرائيلية إلى الإفراج عنهم، كما حصل في مرات سابقة.
الإسرائيليون حتى الآن، باستثناءات قليلة، لا يعون ما يشكله الأسرى والمعتقلون في الوعي الجمعي للشعب الفلسطيني فهم مناضلون من أجل حرية الوطن والشعب، يضحون بأعمارهم من أجل القضية ويمثلون عنصر إجماع وطني بحيث لا يتفوق على هذا الإجماع سوى الإجماع على قضية الشهداء.
والإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تمس عصب هذا الإجماع وتخلق إشكاليات كبيرة لكل الفلسطينيين الذين يتابعون باهتمام شديد ما يحصل للأسرى حتى لو كان حجم المشاركة الشعبية في فعاليات التضامن مع الأسرى ليس بالمستوى المطلوب.
وهذه الحكومة بمواقفها وقوانينها وإجراءاتها توصل الشعب الفلسطيني إلى قناعة بأنه لا توجد وسيلة للإفراج عن الأسرى والمعتقلين سوى أسر جنود إسرائيليين وإجراء عمليات تبادل أسرى كما حصل في قضية الجندي جلعاد شاليت وقبله في عملية تبادل الأسرى مع القيادة العامة والعمليات السابقة لها.
وهذا الاستنتاج سيظل قائماً حتى يحصل اتفاق سلام إسرائيلي – فلسطيني ينهي الصراع وينهي قضية الأسرى ويغلق ملف الاعتقالات، وهذا غير وارد في المدى القريب بسبب تركيبة الحكومة الإسرائيلية واحتمالات تطور الوضع على الخارطة السياسية والحزبية في إسرائيل في هذه المرحلة.
وسائل الإعلام الإسرائيلية مشغولة في تغطية ومتابعة قضية المفقودين الثلاثة وتفتح ساعات نقاش طويلة يشارك فيها سياسيون ورجال أمن سابقون وإعلاميون وخبراء في مختلف المجالات، وجل الموضوع يدور حول كيفية إعادة هؤلاء المفقودين، ولكن لم يكن هناك أي نقاش جدي حول الوضع الراهن وما سبب الحالة التي يعيشونها ونعيشها، أي أن وجود الاحتلال وعدم التوصل إلى تسوية سياسية ليس موضوعاً للجدل.
ويهتمون أكثر بأثر تشكيل حكومة التوافق على الوضع وهل هي السبب في عملية الاختطاف، وما هو المطلوب من السلطات الإسرائيلية وما المطلوب من السلطة الفلسطينية. وهناك من يصل إلى استنتاج بأن "الإرهاب" الفلسطيني سيتواصل حتى لو عملت إسرائيل كل شيء وانسحبت بشكل كامل من الأراضي المحتلة، وبالتالي فالموضوع هو ليس الاحتلال بل يتعلق بالثقافة الفلسطينية وربما بالجينات الفلسطينية.
لا يريد القادة السياسيون الإسرائيليون أن يستوعبوا أن الفلسطينيين لن يتخلوا عن الأسرى وكل إجراء تصعيدي ضدهم سيقود إلى ردود فعل فلسطينية، وموضوع التفكير والعمل من أجل إطلاق سراحهم سيظل حاضراً على الدوام بغض النظر عن رغبة السلطة والقيادة، وبغض النظر عن الجهة التي ستقوم بذلك.
وإسرائيل مطالبة اليوم وعلى وجه السرعة بالعمل فوراً على تنفيذ الاتفاق بخصوص الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى والمعتقلين القدامى والإفراج عن المعتقلين الإداريين، إذا كانت تريد تخفيف حدة التوتر وإعادة الأمور إلى الطريق الصحيح.
ربما يبدو هذا الكلام الآن في غير وقته بسبب حملات الاعتقال الإسرائيلية ولكن لو كانت الحكومة الإسرائيلية تفكر بمنطق من يريد البحث عن حلول فهذا هو المدخل لذلك.


