خلال بضع ساعات، أكثر من 10 آلاف إسرائيلي أيدوا الحملة التي انطلقت على موقع "فيسبوك" تحت عنوان "تنفيذ عملية قتل كل ساعة لمخرب حتى عودة المخطوفين اليهود الثلاثة". ووصف المؤيدون للحملة في القتل عودة "للأخلاق اليهودية"! ودعا مسؤول الحملة، نتنياهو الى تحمل المسؤولية والشروع بقتل مخرب كل ساعة "وبهذا يمكن إزالة المنظمات الإرهابية واستعادة التعقل".
مقابل ذلك فإن مواقع التواصل الاجتماعي تعاملت بسخرية من الإسرائيليين عبر نكات وتعليقات ساخرة وصور ورسوم كاريكاتورية ودبلجات تعكس روح الفكاهة التي تساعد على تحمل المعاناة الناجمة عن الغطرسة الإسرائيلية. هذا ما قدمه تقرير مصور ممتاز لوكالة معا. أشار التقرير الى تطور أساليب الساخرين بتطور وسائل الاتصال الجماهيري ووفرة التكنولوجيا التي مكنت البعض من استغلال الوسائط المتعددة "الملتميديا" لإخراج فيديوهات ساخرة تظهر الموقف من زاوية مختلفة عن الجدية التي تتمتع بها وسائل الإعلام الرسمية في مثل هذه المواقف. قدم التقرير حوارا حقيقيا بين الفلسطيني ثائر العبد الله الذي كتب على صفحة (أفيخاي أدرعي) الناطق باسم جيش الاحتلال. قال العبد الله : قسما بالله أنني أعلم مكان الثلاث مستوطنين الذين اختطفوا. رد أدرعي: لقد أقسمت أين هم؟ رد العبد الله: مع اللي خطفهم....
وفي نهفة أخرى قال والد أسير إسرائيلي عبر الهاتف: أنا بوجه تحياتي لابني جلعاد داخل السجون الخليلية، وبحكيلو إنشالله الفرج قريب. يابا رحت أطلع تصريح زيارة بس الخلايلة رفضوني، المهم وديتلك مع جارتنا أم آفي شوية أغراض. بطش واستعلاء وغطرسة إسرائيلية وسخرية ونكات فلسطينية، نموذجان على طرفي نقيض، سيكولوجية أصحاب القوة وسيكولوجية "ناس بدهم حرية وكرامة".
مواقف الحكومة الإسرائيلية المرتجلة التي كالت التهم جزافا واستهدفت بالاعتقال رئيس المجلس التشريعي وأعضاء وقيادات من حماس، واتخذت من العملية مناسبة لهدم الشرعية الدولية التي اكتسبتها حكومة الوحدة الوطنية، فعلت كل هذا دفعة على الحساب قبل ان تمسك بأي خيط يعرف بالجهة المسؤولة عن الاختطاف. كذلك فإن الإجراءات الأمنية التي وصلت حد استباحة محافظة الخليل وإشاعة الفوضى ومحاولة تعميم الاستباحة في مخيمات ومدن الضفة الغربية، دون ان تنسى قطاع غزة من القصف والاعتداء وتعميق الحصار، هذه السياسات والاجراءات المتخبطة التي تمارسها حكومة نتنياهو على مدار الساعة لا تقل عدمية وتطرفاً عن أصحاب حملة "اقتل فلسطيني كل ساعة".
ردود الفعل الدولية تركزت حول الفئة العمرية للمختطفين دون سن الثامنة عشرة، حيث لا يجوز استهداف الأطفال بالاعتقال او الخطف او القتل كما ينص عل ذلك القانون الدولي. وهذا صحيح ومطلوب من الجميع الالتزام به. ورغم انه لا يجوز الوقوع في خطأ ردا على خطأ الآخر، يجدر القول ما أكثر الانتهاكات الإسرائيلية ضد الأطفال الفلسطينيين قتلا واعتقالا وتدميرا لطفولتهم. من المنطقي وقد عم التهديد أطفال فلسطين، الطلب من المعترضين على خطف أطفال إسرائيليين وتعريض حياتهم للخطر وهم محقون في اعتراضهم وفي المطالبة بالإفراج عنهم، مطلوب إتمام موقفهم بالاعتراض على اعتقال أطفال فلسطينيين وتشويش طفولتهم والمطالبة بالإفراج عنهم قبل حادثة الخطف واثناءها وبعدها، اي في كل الأحوال. يذكر ان عدد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية يصل الآن الى 190 طفلا.
بعيدا عن ردود الفعل الإسرائيلية والدولية، ليس من الصعب توقع حدوث مفاجآت، كعملية الاختطاف وغيرها، ذلك ان الاستباحة الإسرائيلية للأرض والموارد ولحرية وكرامة المواطنين وزيادة الضغط والخنق وكبح كل عمل سياسي وإغلاق كل الأبواب والنوافذ أمام أي أمل بالخلاص من الاحتلال. في وضع كهذا فإن كل من يستخدم عقله سيتوقع انفجارا هنا او هناك. ولن تصمد قواعد اللعبة السياسية أمام متغير وجد فيه جيل واكثر من الفلسطينيين ما يخسرونه. دولة الاحتلال تعرف جيدا أن غطرستها في كل شيء بدءا من موقفها العدمي والعدائي من المعتقلين الإداريين، مرورا بسياسة التطهير العرقي في القدس، وانتهاء بالاستيطان الزاحف واعتداءات المستوطنين اليومية، تعرف أن سياساتها ستقود الى الانفجار، غير ان ثقتها بقوتها المادية يدفعها الى الاعتقاد بأنها قادرة على تدمير وإبطال مفعول اي ثورة واحتجاج وتمرد شأنها في ذلك شأن اي سلطة مستبدة ومضطهدة وناهبة.
لقد نجحت حكومة نتنياهو في تقويض دور السلطة في الحفاظ على الأمن في ظل سياسة تعميق الاحتلال، فقد اعتقدت السلطة بأن الحل السياسي الذي ينهي الاحتلال قادم او يقترب من التحقيق وكان هذا يسوغ التنسيق الأمني والدفاع عن الأمن. ومع أفول الحل وتدمير مقومات الدولة فقد انتفى موضوعيا دور السلطة الأمني وانتفت علاقة تعاونها في مختلف المجالات مع دولة الاحتلال، بل لقد أصبحت العلاقة تنافرية موضوعيا، وقد تصل الى أبعد من تصادم سياسي ودبلوماسي الى مبادرات خارج اتفاق أوسلو وردود وإجراءات إسرائيلية تعصف بالسلطة او تستبدلها. قد لا تصل السلطة الى هذه النتيجة الدراماتيكية لكن عدم اقتناع السواد الأعظم من الشعب باستمرار ذلك الدور الأمني والاقتصادي يجعل مهمتها عسيرة ويهدد بانفصال المواطنين تدريجيا وربما مرة واحدة عن سلطة تقوم بدور امني وتخضع لعلاقات اقتصادية بدون هدف سياسي مشترك مع الشعب، او بهدف سياسي يخص دولة الاحتلال وحدها. هذا التطور مطروح للنقاش في المزاج الشعبي وغير مطروح للبحث في إطار القوى السياسية للأسف. وفي غياب توضيح المتغير الجديد والبحث في سبل وطرائق للخروج من المأزق فإن الثقة تتضعضع وتفتح الأبواب والشوارع أمام تصدر العفوية والشعبوية والتطرف للمشهد الفلسطيني.
ثمة علاقة بين السلطة والمعارضة، والسلطة التي نحن بصددها هي سلطة الاحتلال. السلطة الديكتاتورية الدموية والطائفية التي لا تعرف اي مرونة للتراجع وتقديم اي تنازل تنتج معارضة على شاكلتها من التطرف والعدمية. السلطة السورية انتجت داعش والنصرة وأخواتها، والسلطة العراقية انتجت داعش وقبائلها. وكانت غطرسة القوة الأميركية قد انتجت قاعدة بن لادن. أما سلطة الاحتلال فقد انتجت ظاهرة العمليات الاستشهادية بعد إخفاق المفاوضات، وهي الآن بصدد انتاج ردود من طراز يصعب التنبؤ به. هذا النوع من المعارضة الداعشية منتج السلطة المستبدة يحضر فقط في غياب معارضة ينتجها الشعب وقواه الحية، فأي معارضة تتصدر مشهدنا الفلسطيني في قادم الأيام؟
Mohanned_t@yahoo.com


