أشبه بلعبة الشطرنج الملك يقفز ويأكل من حوله فارضا نفسه سيد الموقف على كل اللاعبين المحترفين، هكذا فعل رجال النضال الفلسطيني في الخليل أو عفوا أقصد في فلسطين من أمام كل اللاعبين، ووسط خبرة ودهاء المحترفين، نهض الملك وأكل الجنود من حوله، ومن وسطهم، غير مبالي بحرفيتهم ولا خططهم ومهارتهم في اللعب، وحسم الجولة لصالحة ليترك كل اللاعبين من حوله في حيرة، كيف؟ وأين كنا؟ وماذا فعل ليقتلنا في ضربة واحدة وخاطفة؟ إنه سر النضال الفلسطيني الذي لا يعرفه عدو فيتجنبه، ولا صديق فيهلل له، ومراقب فتصعقه الدهشة. يصمت طويلا حتى يظن الجميع انه غاب الغيبة الكبرى، فينتفض ويباغت من حوله، وكأنه كان بينهم منذ من طويل، ويعرفهم ولم تغيبه عينه عنهم لحظة، ويعرف أسرارهم وسريرتهم، فيأخذهم أخذة واحدة، كحوت البحر يبلع صيده في غفلة ولا يراه أو يشعر به احد.
هذه العملية لا يمكن أن يقال عنها فعلتها حماس، أو فتح، أو الجهاد، أو القاعدة أو..أو..، هذه مولود النضال الفلسطيني، والظلم والقهر الإسرائيلي، والخذلان والصمت العالمي للحقوق الفلسطينية. سنوات تلاحق والصمت والصبر الفلسطيني يحلم في انتظار العدالة والإنصاف من مجتمع السلم والحق العالمي لأسراه ومعتقليه، لكن دون جدوى، وكأنهم ليسوا ببشر، وليسو لهم روح تجعلهم من طينة البشر وحقيقة الإنسان.
أطلقوا حملة "الميّ والملح" علهم يلفتوا انتباه العالم للجريمة التي ترتكب بحقهم، للموت الذي يخطفهم على إيقاع موسيقى الروب الصاخبة عبر جلاديهم، وعالم النسيان والقهر الذي يعيشون فيه، لكن العالم لا يسمع، ولا يرى، ولا يحس، ولا يدرك، فكان لا بد أن يكون هناك فعل لا يعراه العالم، ولا يعرفه العالم، ولا يمكن أن يتحسبه عدوهم، ولا صديقهم، فيه المبادرة الخاطفة، والفعل غير المسبوق ولا المتوقع، والمباغتة التي لا يفوق منها العدو، ولا تلمحها عينه السرية ولا السحرية ولا الممغنطة.
إنه الصدمة التي أطلقتها قذيفة الوفاق الفلسطيني "المصالحة"، صدمة من عيار ثقيل لا يمكن أن يردها عدو أو يبطئها صديق أو يحرفها حاسد أو يفسدها خبير أو يبطلها ساحر أو يخلفها منافق أو عميل، إنها الضمير الفلسطيني، والسر الفلسطيني، والمارد الفلسطيني، حينما يتململ يلقب الحال رأسا على عقب كما يقال، فلا تعلم لهم قرة أعين، ولا يرتاح لهم بال، ولا يقدرون على شيء مما خططوا وفعلوا.
إنه الوفاق الفلسطيني الذي عاد إلى أصوله ليعانق النضال الفلسطيني الذي يعرف طريقه، ويعرف هدفه، ويعرف مسيرته، إنه وفاق يجمع المجموع الفلسطيني في قضيته الوطنية، وأهدافه الجامعة، وتطلعاته الصادقة، وإرادته الحاسمة. فقضيتنا ليست رواتب وإن كانت حق مقطوع به، وليست حكومة او منصب، وليست تسجيل نقاط هنا أو هناك، لصالح هذا أو ذاك، إنه وفاق ولد النضال، ونضال حفظ الوفاق، وقضية تسمو عن كل الخصوصيات.
إن العملية التي حصلت في الخليل هي أكبر من كل الفصائل، والسلطة، والحكومة، والتنسيق الأمني، والحصار، عملية تؤرخ لمستقبل فلسطيني، ولفعل فلسطيني غير مسبوق، ولن يكون تقليديا، ولن ينفع معه الملاحقات، ولا المطاردات ولا الحصار ولا التنسيقات، إنه فعل من خارج المحسوب، ومن وراء المنظور.
إن هذا الفعل هو بمثابة رسالة للاحتلال، وكل من يقف وراءه أو يدعمه سواء بالسلاح أو التكنولوجيا أو الأقمار الصناعية أو التغطية السياسية والأمنية والاقتصادية، بأن النضال الفلسطيني لا يقهر ولا يقمع ولا يصادر، وان الحق الفلسطيني مكفول ليس بالقرارات والشرعية الدولية وإنما بالإرادة والتصميم الفلسطيني، وبالنضال الفلسطيني، الذي يطور نفسه كل يوم، ويبتكر لنفسه كل يوم وسائله الخاصة وأدواته الفاعلة، التي تجعله دائما قادرا على الإمساك بزمام المبادرة، ومفاجئة عدوه ومحتليه بما لم يتحسبوه، ولا يقدرون على مواجهته.
إنه الفعل الذي يصنع لنفسه معادلة جديدة، يكون فيها المحتل مجرد فقاعة سرعان من تلفحها الرياح فتزيلها، وتجعلها أثرا بعد عين، إنه النضال الفلسطيني الذي نفخر به، ونحمله لأجيالنا، ونوكله في حقنا وعيالنا


