عملية الخليل، التي أسفرت عن اختطاف ثلاثة جنود إسرائيليين أو مستوطنين التي وقعت يوم الخميس الماضي، شكلت إرباكاً وحرجاً شديداً لعديد الأطراف ذات العلاقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأرجح أن تترك آثاراً على مواقف وأدوار الكثير من الأطراف.
العملية وقعت في ظل مناخ عام، يحرص فيه الفلسطينيون على تصعيد نضالهم الشعبي والسياسي، والمحافظة على استقرار التهدئة على جبهة قطاع غزة مع إسرائيل، وفي ظل تركيز الأطراف الفلسطينية على المضي قدماً في عملية المصالحة التي بدأت باتفاق الشاطئ وكان تشكيل الحكومة وإعلانها، الخطوة الأولى العملية على طريق طويل ومتعرج، قد تكون هذه العملية أحد تعرجاتها المهمة.
المناخ العام السياسي في الضفة الغربية مشحون جداً منذ الكثير من الوقت، فلقد أوغلت السياسة الإسرائيلية في عربدتها، وإجراءاتها القمعية وتطرفها السياسي، استيطاناً وتهويداً، وتهديداً للمقدسات، واعتقالات وقتلاً فضلاً عن مسؤوليتها إزاء فشل الجهود الدولية الرامية لاستئناف المفاوضات وإحياء العملية السياسية.
مجمل السلوك السياسي والعملياتي الإسرائيلي، يعكس أطماع إسرائيل في الاحتفاظ بالضفة الغربية، والإقدام على انسحابات أحادية الجانب من بعض أجزائها، لا يمنعها من ذلك، إلاّ ظروف مؤقتة، حيث تفتقر إلى الإسناد، أو الدعم، أو الغطاء الدولي لخطوة من هذا المستوى حتى من حليفتها الولايات المتحدة الأميركية.
وربما كانت إسرائيل المعزولة دولياً بسبب سياساتها العدوانية وأطماعها، وإدارتها ظهر المجن للمجتمع الدولي، تبحث عن ذرائع ومبررات، للخروج من هذه الأزمة، التي أخذت آثارها تطفح على جلد الائتلاف الحكومي، وكانت تنتظر أن يأتيها هذا المبرر أو هذه الذريعة من قطاع غزة، حتى تشن عدواناً واسعاً يعيد خلط الأوراق.
بنيامين نتنياهو، يعتبر أن إسرائيل في حالة حرب، وان جيشها، وأجهزتها الأمنية بصدد عملية عسكرية وأمنية واسعة النطاق، طالت بعض المناطق في أراضي 1948، بحثاً عن جنودها أو مستوطنيها الثلاثة، بل بحثا عن كرامتها وهيبتها كدولة، وفي الوقت ذاته البحث عن مخارج من العزلة، ولإسكات أصوات المعارضة الداخلية على غلو سياسة الحكومة.
كان من أول وأهم ردود الفعل الدولية، أن يهاتف وزير الخارجية الأميركية جون كيري الرئيس محمود عباس، مطالباً السلطة بالتعاون والقيام بكل ما يلزم لمساعدة إسرائيل على العثور على الجنود، ومعاقبة مرتكبي العملية.
هذا الاهتمام، يعكس في الحقيقة عمق العلاقة والتحالف بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة، أكثر ما أنه يعكس حرصاً على، مناخ المفاوضات والتسوية، التي أفسدتها إسرائيل، ويتأمل كيري معاودة إحيائها، ولكن بدون أن يضطر لقرص الأذن الإسرائيلية، التي لا تسمع كلام المجتمع الدولي.
لا تستطيع الولايات المتحدة، الاستمرار طويلاً، في مناكفة حليفتها إسرائيل مهما كانت الأسباب، وكان حريا بالإدارة الأميركية أن تبدي اهتماماً ولو محدوداً بالسياسة الإسرائيلية، التي تخالف الشرعية الدولية، فيما يتعلق بالاستيطان والقدس، والأسرى الذين دخل إضرابهم مرحلة صعبة وخطيرة، أو أن تبدي اهتماماً عملياً فاعلاً إزاء "المقاومة" الإسرائيلية، للدور الأميركي في عملية السلام.
على الأرجح أن يشكل اهتمام الخارجية الأميركية، لناحية دعم السياسة الإسرائيلية إزاء خطف الجنود الثلاثة، مقدمة، لتواطؤ أميركي، مع عدوان إسرائيلي، في إطار عمليات عقابية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبهذا تستقيم الأمور على طبيعتها التاريخية المعروفة.
لأجل ذلك وبدون خجل، ولا مبرر، يُحمّل نتنياهو السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس المسؤولية عن العملية، بالرغم من أن العملية وقعت في مناطق تحتفظ إسرائيل بمسؤوليتها الأمنية عنها، وإن كانت عملياً تتحمل المسؤولية الأمنية عن كل أراضي الضفة الغربية طالما أن الجيب الإسرائيلي يصل إلى أبواب المقاطعة وسط رام الله.
في الجوهر، تشكل العملية واحدة من حلقات الفشل الأمني والاستخباري الإسرائيلي، الذي يمكن أن يسجل في لائحته العديد من المؤشرات وكان أهمها، فشلها في معرفة مكان اختفاء الجندي جلعاد شاليت لأكثر من خمس سنوات.
وعلى الضفة الأخرى، تعكس العملية دقة التخطيط والتنفيذ، والجهوزية العملياتية، للمجموعة التي قامت بها، والجهة التي تنتمي إليها، رغم أن السنوات السابقة، شهدت في الضفة الغربية، حرباً مستمرة على كل المجموعات المسلحة.
قد تطول العملية، وقد تنجح الجهود الاستخبارية في العثور على المختطفين الثلاثة، وعلى المجموعة التي قامت بالعملية ولكن مرور بضعة أيام على عملية الاختطاف لا يقلل من خطورة آثارها ونتائجها على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.
على إسرائيل أن تتحسب من إمكانية تكرار مثل هذه العملية مهما كانت نتائجها وأن تقيم في اعتبارها، أن مواصلة احتلالها للضفة، وإمعانها في استباحة أهلها، وحقوق الفلسطينيين، ستكون لها أثمان باهظة.
ما نتمناه في هذه اللحظات الحرجة، ألا تؤدي نتائج العملية إلى تخريب عملية المصالحة، وذلك هدف إسرائيلي واضح، إذ كان آخر تصريح لنتنياهو قبل عملية الاختطاف، انه يشترط لعودة المفاوضات، وقف المصالحة.


