خبر : الرئيس لا يتغير رغم ان كل ما حوله تغير !! ...د.ابراهيم حمدان

الأحد 15 يونيو 2014 09:30 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الرئيس لا يتغير رغم ان كل ما حوله تغير !! ...د.ابراهيم حمدان



د.ابراهيم حمدان
(1) قليل من التصريحات كثير من المعاني
فقط دعونا نستعيد القليل من تصريحات الرئيس أبو مازن التي اقتبسناها من لقاءاته الاعلامية لنبني عليه مقالنا هذا .
" لا نريد نزع شرعية اسرائيل"...
"رغم ما نشعر به من خيبة أمل نواصل مد أيادينا صادقين إلى الشعب الإسرائيلي من أجل صنع السلام "..
"أنا لاجئ فلسطيني من صفد، واعتقد أنني لن اعود إلى هناك مرة أخري"..
"لن أقبل باندلاع انتفاضة ثالثة، فنحن لا نريد أن نستخدم الإرهاب"...
"ان الانتفاضة الثانية دمرت الشعب الفلسطيني" ..
"ان الشعب الفلسطيني لن يقبل بالمقاومة المسلحة لأنه يعرف نتائجها"..
".... التنسيق الأمني بيننا مقدس وقائم على مدار الساعة سبعة أيام في الاسبوع ""..
من الوهلة الاولى , هذا كلام يطمئن الاسرائيليين ولا يطمئننا كفلسطينيين.. يمنحهم الامن والسلام والشرعية , وانه لن يستخدم ضدهم( كمحتلين ومغتصبين) ما ينغص عليهم شرعيتهم وأمنهم وحياتهم , في الوقت الذي نعاني نحن منه الامرين طوال اليوم والساعة .أين هو الكلام الذي يطمئننا ونحن ننتظره لاكثر من عشرين عاما ؟؟
لماذا لا يريد الرئيس نزع شرعيتهم وهم الذين ينزعون شرعيتنا بل ويغتصبونها صباح مساء... ولا تريد استخدام "الارهاب" وقد استخدموا معنا ما هو" فوق الارهاب".. ولا تريد انتفاضة وهم الذين اطلقوا علينا "انتفاضة الاستيطان والمستوطنين" .. اذا كنت لا تريد انتفاضة ولا مقاومة مسلحة ولا نزع شرعية عن "دولة الاحتلال" فلتأتنا بشيء – لم تأت به الاوائل- يقنعنا ان مسيرة السلام (العجوز) ستكون بديلا واقعيا وستمنحنا الشرعية والدولة وستردع اسرائيل عن غيها !!
ان من حق كل رئيس ان يلعب بالحجر والبيضة , وان يجيد المناورة وان يتحلى بالدبلوماسية ويتسلح بالمراوغة السياسية لجر خصمه الى التنازل والتراجع , لكن هذا يجب أن يأتي في اطار حسابات صحيحة وواقعية , وضمن رؤية واضحة تحدد بين ما هو حقيقي وما هو مجرد طموح .
ان الحسابات التي قامت عليها مسيرة الرئيس مع اسرائيل لاكثر من ثماني سنوات لم تنجح الا قليلا , بل ان الفلسطينيين يغلب عليهم الاحباط واليأس من ان تمنحهم مسيرة السلام أملا ولو بعد الحين .
نحن بحاجة الى ان يقدم لنا الرئيس كشفا بحجم الانجازات (الحقيقية) التي صنعت على صعيد القضية الوطنية لنرى ان كانت هناك خسارة ام ان هناك أرباحا خفية لا نعلمها .
صحيح هناك جهود كثيرة, مفاوضات كثيرة , زيارات كثيرة , معاهدات كثيرة ..لكن النتائج نادرة شبه معدومة .
(2) تغير الرئيس وتغير الواقع
الرئيس ابو مازن منذ سبعينيات القرن الماضي وهو يسير على وتيرة واحدة لم تتغير , يريد السلام مع اسرائيل وقيام الدولة الفلسطينية من خلال نمط (نفق) واحد لا ثاني له .هو يرفض ان يغير أو يتغير , رغم ان كل شيء حوله تغير (الزمان ,المكان والظروف, الاشخاص, الخارطة السياسية في المنطقة برمتها ..) .. الاحتلال ازداد شراسة .. الاستيطان بلغ ذروته .. اسرائيل نسفت اتفاقية اوسلو واقتلعتها من " شروشها" ..اسرائيل اضعفت السلطة وجردتها من صلاحياتها الى الحد الذي تحولت الى سلطة وظيفية تدفع الرواتب وتنسق للأمن وتخفض كلفة الاحتلال .....اسرائيل تعاملت مع الرئيس (الرجل المحب والمقاتل من اجل السلام) بكل استخفاف وصلف وغرور , ويكفي ان نرجع الى تصريحات نتنياهو وليبرمان التي قالت عنه انه " غير ذي صلة وانه غير شريك للسلام... !!
هل من المعقول ان الرئيس ابو مازن يرى كل هذه التغيرات الخطيرة والإستراتيجية والتي تمس حق شعبه ووطنه وتمس سلطته وتمسه شخصيا ثم يغمض عينيه ويصر ويقسم على انه سيبقى على ذات الطريق .. لا تغيير ولا تبديل!! .اليس هذا منافيا لأبسط قواعد اللعب (الفقه) السياسي التي تقوم على تعدد الخيارات والوسائل وامتلاك أوراق القوة لتحقيق الاهداف ؟
هل من المنطق أنه في ظل صراع معقد وخطير يجري فيه سرقة وطن وإحلال غرباء وبناء مستوطنات أن يحشر الرئيس نفسه وشعبه في خيار / نفق/ وحيد وأوحد ؟ , في الوقت الذي استعملت فيه اسرائيل عشرات الخيارات(سياسيا وعسكريا وقانونيا ..) والتي افضت في نهاية المطاف الى افراغ اتفاقية السلام – وكذا السلطة- من وظيفتها ومضمونها !!
هل يصح ان يكتفي الرئيس بمقاطعة المفاوضات ( وانتظار ما يتمخض عنه الجبل ) ردا على سرطان الاستيطان وسرقة الأرض؟
وهل من المنطق السياسي ان يعلق الرئيس آماله واحلامه على تحركات البيت الابيض (الوهمية), والاعتقاد بأن مفاتيح الحل لديهم , في الوقت الذي نسى انه امضى مئات الزيارات واللقاءات ثم لم يرجع بشيء , أو الا بقليل من الحقائق وكثير من الوعود الموهومة ؟
الا ينبغي للرئيس ان يحول بوصلته قليلا لإعادة صياغة رؤيته وخطته الاستراتيجية مع بروز معادلة سياسية جديدة في الوطن العربي وبروز قوى سياسية واقتصادية في المنطقة يمكن الاعتماد عليها – بصدق – في دعم القضية الفلسطينية ..
في ظل انشغال الرئيس بالمفاوضات والزيارات المكوكية فان يبدى اهمالا كبيرا للخارطة السياسية الفلسطينية وهناك لا مبالاة في التعامل مع القوى السياسية وعقد المراجعات والنقاشات معها واعتبارها شيئا ثانويا غي ذي بال !! متى عقد الرئيس نقاشا سياسا جديا مع حماس او الجهاد او القوى الاخرى للخروج برؤية تشكل قاسما مشتركا للجميع ؟ ومتى اجهد الرئيس نفسه في الاستماع الى الاخرين ام انها دكتاتورية السياسة ؟؟
ألم يحن الوقت- سيادة الرئيس - لاعادة الدفع باستنهاض الدول والشعوب العربية والاسلامية التي تمتلك زخما وثروة هائلة في محبة وعشق فلسطين وقضيتها .. يجب الا نشعرها بالاهمال والتجاهل وانه لا دور لها في الصراع أو ان هناك بديل "غربي" عنها . فقط هي بحاجة الى جهد أكبر - وقبل ذلك الى ثقة اكبر بالقيادة الفلسطينية وخط سيرها- لكي تقدم لها الدعم , سياسيا وماليا وفي كل المستويات .
ان الاشكالية المؤلمة ان الرئيس يضع في حسبانه الامريكان والاوربيين كثيرا ويقيس حسابات تحركاته وقراراته وتصريحاته بحيث لا يغضبهم ولا يستنفرهم , فتراه يؤكد مرة بعد المرة ان حكومته تعترف باسرائيل وبالشرعية الدولية وبشروط الرباعية وهي حكومة مسالمة تنبذ الارهاب , بالرغم من ان هؤلاء لا يعطونه الا كلاما معسولا . هل سأل الرئيس الاتحاد الاوروبي والبيت الابيض كم حجرا زحزحه من مستوطنة ..كم اوقف بناء مستوطنة او منع سلب اراضي ..كم منع جرائم ترتكب يوميا ضد مواطنيه من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال .
حتى حكومة التوافق لم يستطع المجتمع الدولي بكل قوته وهيبته ان يضغط على اسرائيل للسماح بمرور وزير على حاجز ايرز . تضحك حينما يحج الاف الدبلوماسيين الاجانب الى الضفة وغزة لتقديم التهاني والتأييد لحكومة الوفاق لكنهم يعتذرون عن خطوة جريئة للتعبير عن رفضهم للعقوبات التي فرضتها اسرائيل على دولة الاحتلال .
(3) سياسة الانتظار الطويلة
منذ تولي الرئيس رئاسة السلطة قبل نحو ثماني سنوات ونحن ننتظر .. لكن لا شيء تحرك , حتى المسيرة السياسية تراجعت بشكل خطير ولم تتقدم قيد انملة , ومع ذلك فان الرئيس لا يكل ولا يمل من الانتظار ويؤكد في كل لقاء تمسكه بالسلام وخيار المفاوضات , وكأنه يقول للشعب الفلسطيني انتظروا نتائج المفاوضات .. انتظروا الى ان تصحو اسرائيل من غفوتها وتعود الى جادة الصواب .. انتظروا الانتخابات الامريكية ..انتظروا الانتخابات الاسرائيلية .. لا تفعلوا شيئا سوى الانتظار .. لا تثوروا لا تتمردوا .. لا تقربوا المقاومة المسلحة .. لا تفكروا بنزع شرعية اسرائيل ولا تمسوا امنها لان ذلك يغضبها ...!!
ماذا نصنع يا سيادة الرئيس ونحن نرى الحريق يلتهم بيتنا ؟ ماذا نصنع ونحن لا نرى مستقبلا لأطفالنا ولا مساحة أرض نقيم عليها دولتنا ؟ ماذا نصنع لقطعان المستوطنين الذين تجرأوا علينا وحرقوا مزارعنا وقطعوا اشجارنا ؟ هل يمكن بالمقاومة السلمية وحدها ان نوقف الاستيطان ونردع المستوطنين ؟ وهل بالأدب الجم والذوق الدبلوماسي يمكن ان نرفع الحواجز ونوقف الاعتقالات ؟ هل بالمناشدة يمكن ردع اسرائيل وجنون ليبرمان وزبانيته عن العربدة التي يمارسونها ؟
سيادة الرئيس.. انت لست بحاجة في كل مناسبة الى طمأنة اسرائيل بتصريحات "معتدلة" بقدر ما انت محتاج الى طمأنة واقناع شعبك .
مخاطبة ( الشعب الاسرائيلي) للتأثير عليه اصبح المراهنة عليها يساوي المراهنة على فيل ان يطير أو ديك ان يبيض !!
(4) التاريخ والتجربة تملي تغييرا
سيادة الرئيس ..نحن لا ننكر انك تسعى وراء حقوق شعبك وتدور على المحافل الدولية من اجل انتزاعها , وتخرج من عاصمة لتدخل عاصمة , وندرك ان تعبت كثيرا في دهاليز التفاوض واللقاءات . هنا لا نناقش النوايا ونبل الاهداف بقدر ما نناقش صحة الوسائل والنتائج , ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه "اذا كان الهدف نبيلا فهل الوسيلة صحيحة ؟ ان الاجماع الشعبي يقول بان المسيرة السياسية فاشلة بامتياز وان كل ما يقال عن حل الدولتين اصبح في مهب الريح وترسخت قناعة لدى قيادة فتح قبل غيرها ان الحل مع حكومة اسرائيلية متطرفة ضرب من الخيال .
هذا الامر يفرض على الرئيس امتلاك الجرأة لتغيير الاحصنة وقواعد اللعبة وتحديد مسارات وخيارات بديلة . صحيح ان الرئيس خطا خطوة كبيرة بالذهاب الى الامم المتحدة وانتزاع صفة مراقب للدولة لكن على ارض الواقع لم يتغير شيء .
نحن لا نريد انجازات "نظرية" تستند الى الدعم الدولي والى توقيع اتفاقات والحصول على اعتراف, لكن الارض من تحتنا تميد والسيادة تضيع والسلطة تضعف والمستوطنات اصبحت كما السرطان .
سيادة الرئيس نحن نريد افعالا ..انجازات ..حقائق فقط .