خبر : أبو مازن بعد عرفات في مرمى الاستهداف الإسرائيلي ...بقلم: حسين حجازي

السبت 14 يونيو 2014 10:17 ص / بتوقيت القدس +2GMT
أبو مازن بعد عرفات في مرمى الاستهداف الإسرائيلي ...بقلم: حسين حجازي



يمكن لنا تصوير واختزال ما حدث على أنه "بروفة" أو تمرين آخر على الطريقة النمطية، التي ترافق عادة جميع هذه العمليات السياسية، التي تستهدف إعادة بناء التحالفات أو الائتلافات المحلية او الوطنية، وخصوصا ما بعد خصومات وحروب أهلية وانقسامات. إسرائيل وربما بعكس الانطباع، النموذج الفاقع أو الأكثر قرباً، والصراعات المستترة غالبا وغير المستترة حينا آخر في معظم حركات التحرر القومية، بعيد الاستقلال وقبله على حد سواء.
لا داعي إذن لتضخيم المسألة وكأننا من جنس آخر من جنس الملائكة، كما كان يستخدم نايف حواتمة هذا التشبيه ساخراً زمن اليسار الجميل، فنحن أناس مختلفون وحذرنا السيد خالد البطش مبكراً وغيره كثيرون، من أنه وقد جرؤنا على المصالحة من عاقبة ان ينقض علينا الشيطان من التفاصيل، هل غفونا عند المهمة الشاقة على شاطئ البحر ليلا، وكان ليل غزة بديعاً وناعسا شأنه دوما في الصيف، عن هذه التفاصيل حتى أننا لم نكد نطوي صفحة الخلاف حتى اختلفنا من جديد عند أول مفترق؟ سريعاً هكذا مبكراً حتى قبل ان نتمم مراسيم الحفل؟
قد يشبه هذا في دراما الحياة العادية تلكم المشاجرات التي لا تنتهي بين الأزواج ابد الدهر، والتي أحياناً لا ينتظر حدوثها نهاية ما يسمى بشهر العسل، وتكون بذلك إيذاناً بعلامة إشارة الى المستقبل مما توصل اليه تولستوي المسكين أديب روسيا العظيم، الذي قضى نحبه منتحرا بفعل هذه المشاجرات، "من ان كل الزيجات او العوائل تعيسة ولكن كل واحدة تعيسة على طريقتها". حين يصارع الزوجان التعيسان طوال الوقت من اجل ترويض الواحد منهما الآخر حتى يقضي الله بالأخير على واحد منهما، هل يعني هذا انهما سوف يظلان في هذه المشاجرات الزوجية من تحت هذا الرداء الأشبه بالثياب التنكرية، والذي يسمى الاتفاق او الشراكة والمصالحة؟
ولكن دعونا نواصل هذه المقاربات التي لا تخلو من قصد مسبق بمحاولة التخفيف علينا، بإضفاء نوع من المزاحات او التفكهات على وضع جدي تماما، على أمل إقناع انفسنا بأن كل شيء تحت السيطرة ومقدور عليه حتى الآن. ولكن هل هذا التبسيط ممكن لإسقاطه على دلالة ما حدث؟ ان الدلالات إذن شغلنا الشاغل هنا.
هيا اذن نفهم معنى السلطة بمفهومها أو ماهيتها المجردة كما يحب ان يتحدث الفلاسفة، وهذا المفهوم يتكون من عنصرين هما أيضا الماء والنار. المال والقوة هنا ربما يعادل العنف أو العصا الهراوة والقدرة على الإكراه، اما المال الذي يعادل المياه فهو الثروة واحتكار الثروة هنا كما احتكار العنف هناك، وهي الثروة التي يرمز إليها بالجزرة ولكن التي هي الوظائف ثم الوظائف يا حبيبي، والتي لوح بها ممسكاً بالمحفظة ثلاث مرات جورج بوش الأب أثناء حملته الانتخابية. وكان نابليون لاحظ قبله ان الجيوش تزحف على بطونها ورددها هو أيضا ثلاث مرات : المال ثم المال ثم المال.
بيد "حماس" في غزة الهراوة التي تغلق البنك، يا للدلالة الرمزية التي ترقى الى الدراما التاريخية في هذه المقابلة المبارزة بين العصا الهراوة والبنك! وهي المقابلة المبارزة التي تعكس لنا حقيقة الانفصام البنيوي والرمزي الذي يعتري واقع او مفهوم السلطة الفلسطينية اليوم. ويضفي عليها هذه الفرادة او الاستثناء والتميز، وهو جوهر الأزمة ومكونها الرئيسي الذي سيرافقنا في غضون الفترة القادمة. فمن له الغلبة في القدرة على ترويض وتطويع الآخر المال ام القوة العصا أم الجزرة؟
نبدو في الحالة الغزية إذن كسلطة انفصام منشطرة او منفصلة عن مكونيها، وهذا ربما بخلاف الواقع المقابل في الضفة الغربية، ولكن هذا الوضع المركب او الموزاييك السياسي الذي يفسر وحده معادلة إسماعيل هنية، عن الخروج الطوعي من الحكومة ولكن البقاء في الحكم. وهي معادلة لا يمكن فهمها خارج التعارض الجوهري الآخر في نظرة كلا الطرفين، للدور الوظيفي للحكومة والسلطة باعتبارها من وجهة نظر "حماس" حكومة خدمات مادية، فيما تراها فتح امتدادا لسلطتها السياسية ودولتها السياسية المعترف بها حتى الآن. وان هذا التناقض بين مفهوم الحكومة السياسية والحكومة المادية، انما هو الذي يفسر لنا بالأخير الدوافع التي أملت على "حماس" إعادة استنساخ نموذج او سيناريو علاقة حزب الله بالدولة اللبنانية، بالفصل بين القوة والحكومة الشكل السياسي للدولة والحكم.
وهو النموذج الذي يحقق نجاحا الآن في حقيقة ان حزب الله هو الذي يقرر اليوم من يكون رئيس لبنان، بل وفي مواجهة التحول الأخير في العراق الذي أصاب الأميركيين بالذعر، لم يتردد جون كيري في سابقة هي الأولى من نوعها مخاطبة حزب الله مباشرة التدخل لإنهاء الأزمة السورية. بالرغم من ان أميركا لا تزال تصنف حزب الله كمنظمة إرهابية، فهل هذا السيناريو او الخيار ممكن؟
والجواب ان هذا هو البديل او احد الخيارات الممكنة التي ربما تفكر بها "حماس"، حين توجهت الى المصالحة باندفاعة واضحة، ولكن ماركس هو الذي يقول لنا ان الناس وهم يجابهون الظروف انما يصنعون الواقع بإرادتهم، ولكنهم غالبا لا يصنعونه وفق رغباتهم او اهوائهم، وإنما بصورة مستقلة عن هذه الأهواء والرغبات. والراهن ان سيطرة "حماس" المباشرة على غزة يوم 14 حزيران 2007 كانت ممكنة، ولكن محاولة حزب الله تكرار النموذج الحمساوي في لبنان يوم 8 ايار العام 2008، لم يكتب لها الاستمرار والنجاح.
وبالمقابل فإن عبد الفتاح السيسي هو الذي يحكم مصر الآن وليس حافظ الأسد او نجله بشار، وبالمثل فإن الرئيس محمود عباس ليس الجنرال اميل لحود في المقاطعة ولا حتى ياسر عرفات، الذي يمكن في وضع ما ان يلعب هذه اللعبة المزدوجة من تحت الطاولة مع "حماس"، لأنه بخلاف اميل لحود وسلفه عرفات يؤمن حقيقة بالخيار الدبلوماسي والمفاوضات والمقاومة الناعمة.
وهو في الواقع يحقق إنجازات ملموسة على هذا الصعيد، تشجعه على المضي في هذا الطريق، فهو ينجح في تطوير او شق مسار يأمل في نهايته بعزل وتطويق إسرائيل، وربما الطموح بتقويض تحالفاتها بعد ان تمكن من تسديد ضربة قاضية لاستراتيجيتها، بنيل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. وشيئا فشيئا وتدريجيا نحن نقترب من اللحظة الجنوب إفريقية، ووضع إسرائيل في مواجهة انسداد الأفق أمامها والاختيار بين حل الدولتين او الدولة الواحدة، وكلا الخيارين كفيل بإعادة إنتاج تفكيكها الداخلي، وهي الحافة التي تقف إسرائيل عندها اليوم. فيما هو ينجح بإعادة احتواء "حماس" وردها الى باطن العجل، وفي محاولة للعودة بالوضع الفلسطيني الداخلي الى ما كان عليه عشية العام 2006.
وهنا في الواقع يمكننا إعادة تركيب السياق الوحيد الذي من خلاله يمكن فحص مجالات العمل الممكنة المطروحة أمام الطرفين ابو مازن و"حماس" على حد سواء، انطلاقا من نقطة الاتفاق الوحيدة المشتركة التي يتقاطعان عندها في استراتيجيتهما معا، وهي سعي كلاهما للعودة الى الوضع الذي كان سائدا قبل الانتخابات عام 2006. ولكن ليس كارتكاسة سياسية بالنسبة لهما عن الحقائق الجديد او الإنجازات التي حققها كلاهما منذ ذلك الوقت، وانما بالبناء عليها. من وجهة نظر أبو مازن أولوية الخيار السياسي ومن وجهة نظر "حماس" التمكين المادي الذي تحقق على الأرض، وأظن أنه بقدر من الحنكة والذكاء القيادي فانه يمكن البناء على ذلك وتطوير نوع من الاستراتيجية، التي تقوم على قدر فعال وناجح من تبادل الأدوار او التقاسم الوظيفي لسد فجوة الانفصام والانشطار، الذي تحدثنا عنه في مكون السلطة، على طريقة إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر.
هل هذه المزاوجة وعقد الزواج ممكن بين شقي هذه المعادلة الثنائية التي يمكنها أن تشكل عماد الاستراتيجية الفلسطينية التطورية في المنظور القريب، كبديل عن مأزق المفاوضات الأحادية او المجردة كما المقاومة الأحادية المجردة ؟ وتعمل كقاسم مشترك متداعم يتفوق او يتخطى حدود اللعبة الداخلية، بتحقيق الفصل او فك الاشتباك بين السياسة البلدية المحلية الحكومة المادية المدنية، وبين القيادة الاستراتيجية التي هي هنا منظمة التحرير الفلسطينية. وحيث هنا يمكن إعادة تعريف المقاومة باعتبارها خادمة للاستراتيجية أي للسياسة والدبلوماسية، وهذه الأخيرة لحماية ظهرها وبالتالي إعادة موضعة وتوزيع الأدوار لكل طرف ضمن هذا السياق.
لكن هل لهذه الخشية او التحسب الإسرائيلي لإعادة إدماج غزة و"حماس" في هذه الاستراتيجية الثنائية، كتحول يمكن ان ينشأ حتى بمعزل عن إرادة الطرفين او التخطيط لغير المتوقع من وجهة نظر احد الطرفين؟ فإن إسرائيل بدأت فعليا الحرب الخفية ضد أبو مازن لتدفيعه الثمن نظير جرأته المصالحة مع "حماس"، وجعل "حماس" جزءا من الحل؟ وانه إذا تم استباق اغتيال عرفات برفع شعارات الإصلاح، لأنه لا يمكن اتهام عرفات بالتفريط السياسي. فإن المحاولة الجديدة تتخذ من اتهام الرجل بالتخاذل والتفريط السياسي مقدمة او شيفرة لها. وهي محاولة يمكن القول مسبقاً أنها فاشلة، اذا كانت هذه الدعاية الغبية لا يمكنها ان تقلب الحقائق. وهذه الحقائق اليوم أن الرجل هو الذي يحدد شروط المفاوضات لا إسرائيل، وهو من يملك أوراق التهديد بالضغط على إسرائيل، وتاليا انه هو الذي يعقد اتفاقا مع "حماس" رغم معارضة إسرائيل. ولكن ما لا أستطيع فهمه انا هو سذاجة الإعلام الحمساوي هنا.