خبر : المصالحة ضرورة حمساوية؟!! ...بقلم: هاني عوكل

السبت 14 يونيو 2014 08:04 ص / بتوقيت القدس +2GMT



لم يكن سهلاً على أصحاب الانقسام أن يجلسوا على طاولة واحدة ويقرروا إعلان الوحدة وتتويجها بحكومة وفاق وطني، بعد سبع سنوات من قطيعة صعبة خلّفت إرهاصات ولافتات كبيرة، شكلت عنواناً لتمزق الفلسطيني وتراجع شعبيته وقضيته على محافل كثيرة.
ثمة حقيقة لا ينبغي إسقاطها أبداً عن تحليل واقع هذه المصالحة، وهي أنها لم تتولد عن قناعة فعلية، وإنما خضعت لعمليات كثيرة قيصرية وتجميلية حتى تخرج إلى العلن، ذلك أن الظروف الداخلية والخارجية أسهمت بالتأكيد في إنجاز هذا الملف في مرحلة غاية في الحساسية والصعوبة.
نعم إنها ولادة غير طبيعية، وإلا ما كنا نسمع عن حدوث مشكلة أزمة البنوك التي أغلقت في قطاع غزة، احتجاجاً على عدم صرف رواتب موظفي "حماس" في القطاع، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية هناك لإغلاق البنوك إلى حين تسوية رواتب موظفيها.
ربما تعكس هذه الأزمة مشكلة حقيقية لدى حماس، ولعلها صورت مشهداً واضحاً على أن أحد أسباب ذهاب الحركة إلى المصالحة هو ضعف حالها المادي وعدم تمكنها من تأمين رواتب موظفيها في القطاع، وليس هذا السبب الوحيد بطبيعة الحال، إنما يشكل واحداً من أسباب أخرى.
حماس التي لا يتوافق برنامجها بأي حال من الأحوال مع برنامج فتح والسلطة، وافقت على حكومة فلسطينية جديدة ببرنامج الرئيس عباس الذي يعترف بإسرائيل ويعتبر التنسيق الأمني معها مقدسا، ويعترف أيضاً بشروط الرباعية الدولية.
طيب، لماذا وافقت الحركة على المصالحة؟ أولاً لم يعد التوافق عند حماس ضرورة وطنية بقدر ما أنه حاجة ملحة، تنعكس في أداء الحركة بقطاع غزة الذي تديره والذي يعاني من حصار شديد للغاية، يدفع الناس إلى الترحم على أيام وجود السلطة الفلسطينية هناك، بالرغم من كل ما قيل عن سوء إدارة أزلامها وفساد بعض من رموزها.
ثانياً: لقد دفع الناس في قطاع غزة فاتورة الانقسام بشكل باهظ، فلم تتمكن حماس من تخفيف الحصار المفروض على غزة، ولا تمكنت أيضاً من فتح معبر رفح، خصوصاً بعد أحداث مصر السياسية وخروج حركة الإخوان المسلمين هناك عن المشهد المصري، الأمر الذي دفع حماس إلى البحث عن خيارات جديدة تحفظ ماء وجهها.
ثالثاً: لقد فقدت حماس الكثير من حلفائها في المنطقة، سواء بعلاقتها التي كانت ذهباً في يوم من الأيام مع سورية وإيران، أو عبر ضعف وانحسار نموذج الإسلام السياسي في المنطقة، ويبدو أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير حدثت بانتقال الإخوان المسلمين في مصر من مربع السلطة إلى المعارضة.
أكثر من ذلك، أن الرئيس المنصّب جديداً عبد الفتاح السيسي، كان ينتظر الفرصة حتى يروض حماس ويعيد تشكيلها على المقاس الذي يريد، كما يبدو أنه يفعل وسيكمل المشوار مع إخوان مصر، وحماس تدرك هذه المعادلة وتعتبر أن ضعف المورد المادي إلى جانب زيادة الحصار على القطاع، من شأنها جميعاً أن تحشر الحركة في الزاوية.
لهذه الأسباب ذهبت "حماس" إلى المصالحة، فلم يعد الظهر الخارجي متوفراً كما كان أيام زمان، ولا الجيب معمّرا بالقروش والفلوس، وهذا تفسير على أن الحركة وافقت على المصالحة وبدت كأنها الطرف الأضعف في هذه العملية.
لقد سعت حماس إلى فهم وهضم التحولات الجارية من حولها، ولا يتصل هذا فقط في رؤيتها للعلاقة بالمحيط الخارجي، إنما هناك تحولات في البرنامج السياسي لدى الحركة، وفي القلب منها موضوع المقاومة المسلحة ضد إسرائيل.
حين فازت حماس على فتح في الانتخابات التشريعية عام 2006، وتوجت ذلك بممارسة المشهد السياسي من مقود الحكومة، أعلن حينها رئيس المكتب السياسي خالد مشعل عن عدم إسقاط تبني حركته نهج المقاومة المسلح، لكنه وافق من حيث المبدأ على هدنة طويلة مع إسرائيل.
وأصبح وقتها كل الجهد الحمساوي منصباً في بناء نموذج إسلامي سياسي في فلسطين، دون النظر كثيراً إلى عامل المقاومة الذي بنت عليه الحركة مجدها وسمعتها، وحيث تعاملت مع الفعل المُقاوم بنفس تكتيكي خدمةً لمصالحها، وبوجود هدنة متبادلة معلنة أو غير معلنة مع إسرائيل.
واحدة من التحولات التي شهدتها الحركة، عبّر عنها مشعل في مقابلة مع مجلة "فورين بوليسي" الأميركية قبل أكثر من عام، حين قال إن المقاومة المسلحة جزء لا يتجزأ من مبادئ حركته وأنه مؤيد للوسائل السلمية التي يتبناها الرئيس محمود عباس.
مشعل نوه إلى أن فجوة الخلافات بين حماس وفتح تضيق فيما يتعلق بالوسائل المشروعة لمواجهة الاحتلال، وأن حركته "سوف تكون منفتحة من حيث المبدأ لإجراء مفاوضات مع إسرائيل، رغم أن الحقائق على الأرض اليوم تجعل مثل هذه المحادثات عديمة الجدوى".
هذه التحولات لم تأت من فراغ، وإنما تعبر عن براغماتية حماس وعن فهمها للواقع المُعاش من حولها، ما يعني توفر أكثر من سيناريو قد يستهدف المصالحة الفلسطينية، إما إيجاباً أو سلباً، ولأنه من الصعب معرفة النوايا الحقيقية، فإن مقياس نجاح الوفاق الوطني يتحقق بوضع الشعب في مقدمة الاهتمام الرسمي والفصائلي.
مهما كان هناك من عوامل هيأت للم الشمل الفلسطيني، فإنه ينبغي مغادرة كل العراقيل وإعادة بناء المجتمع وصون وحدته، ذلك أن المصالحة لا تعني فقط مصافحة الأيدي وتقبيل الوجوه وموافقة كل من حماس وفتح عليها، وإنما تمتد إلى ما هو أكبر من هاتين الحركتين، إلى الشعب نفسه.
سيكون من الصعب جداً والمؤلم إلى حد الخيانة الوطنية، أن تعود أجواء الانقسام تهدد المجتمع الفلسطيني، وأن لا يتمكن المتصالحون من تجسيد هذه المصالحة قولاً وعملاً، الأمر الذي يعني أننا سنكون أمام كارثة وطنية من العيار الثقيل.
الجميع مدعو للحاق بقطار المصالحة، وتذليل كافة العقبات للذهاب إلى انتخابات حقيقية تحسم الموقف، خصوصاً وأننا ما زلنا نخطو رويداً لتثبيت المصالحة في ظل ملفات كبيرة ومعقدة، ولعل التخلي عن الصغائر والكبائر مرهون بمن يعتقد ويؤمن فعلياً بأن الوفاق الوطني هو حصن لكل الفلسطينيين.
هذه مصالحة ليست على مسطرة أحد، وحماس التي قبلتها ينبغي أن تتعامل معها بحكمة وتتنازل إلى جانب تنازل فتح، حتى تصلا في النهاية إلى مصالحة حقيقية تؤمن مسيرة الصمود وتمكن الشعب من تنظيف جرحه بسبب سنوات الانقسام، إلى حين إجراء الانتخابات التي تشكل الغطاء الشرعي لانقسام لم يحترم ولم يعترف بالعملية الديمقراطية.

Hokal79@hotmail.com

- See more at: http://www.al-ayyam.ps/article.aspx?did=241453&Date=#sthash.Zkh2jkim.dpuf