خبر : مصر تحلّق بالعروبة عالياً! ...رجب ابو سرية

الثلاثاء 10 يونيو 2014 09:02 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مصر تحلّق بالعروبة عالياً! ...رجب ابو سرية



حضور نحو تسعين وفدا عربيا ودوليا مراسم تنصيب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا لجمهورية مصر العربية، يجيء بمثابة محاولة من الدولة المصرية، لإعادة الاعتبار لمكانة مصر الإقليمية والدولية، التي كانت قد تضررت، بل وحتى تراجعت خلال العقود الماضية، وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية، لدرجة أن تبدو الدولة التي تعتبر واحدة من أهم الدول العربية الاثنتين والعشرين، وواحدة من أهم دول إفريقيا الـ 53، كدولة تتحكم في مصيرها ومستقبلها دولة مثل قطر، التي بالكاد يصل عدد مواطنيها إلى نحو نصف بالمئة من عدد سكان مصر، ولا تبلغ مساحتها أكثر من واحد بالمئة من مساحة مصر!.

ثم مع بدء ممارسة الرئيس المصري الجديد مسؤولياته الدستورية يكون فصل انتقالي آخر قد انتهى من فصول الدراما السياسية المصرية، المتتابعة فصولها منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويكون المصريون قد دخلوا مرحلة إعادة الاستقرار من جهة، ومن جهة ثانية عهد الثورة الجمهورية الثانية، آملين بنظام اكثر عدالة، وبأحوال معيشية أفضل، مع أن التحدي من أجل تشييد النظام الديمقراطي، وأقله، أو بمعنى آخر أوضح معالمه، يتمثل بقطع الطريق على إعادة نظام حكم الفرد، وتقييد الرئيس بالدستور، حتى يكون أقرب في ممارسته صلاحياته بالرئيس الأميركي، أو الرئيس الفرنسي!.
في حقيقة الأمر، لم يكتف الواقع المصري بأن فجر ثورة 25 يناير، التي نجحت سريعا في قطع الطريق على نظام التوريث (توريث جمال مبارك)، حين تدخل الجيش المصري، وفي إسقاط رأس النظام، بفرض التنحي على حسني مبارك، ولا حتى بالسير حثيثا على طريق الانتخابات العامة والرئاسية، الحرة والنزيهة، والتي شهدت تنافسا ديمقراطيا حقيقيا، حين تنافس عدد من المرشحين، فرض جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية، بين المرشحين احمد شفيق ومحمد مرسي، ثم أعلن عن فوز مرشح الإخوان بشكل مثير للشك والارتياب، ومن ثم بتنصيبه رئيسا، حيث مكث في الحكم عاما واحدا.
احتاج المصريون إلى ثورة ثانية، بعد نجاح ثورة أولى في إسقاط حكم الفرد، ثم إلى ثورة ثانية لإسقاط حكم الجماعة، ثم إلى رئيس شعبي، فاز من الجولة الأولى، نظرا إلى عدم خوض المعركة الانتخابية إلا من قبل مرشح آخر، هو القائد الشعبي الجريء حمدين صباحي، وبذا، تكون مصر قد تركت وراءها، جل المؤامرات، ومعظم المحاولات لشل قدرة الدولة، أو عزل البلاد، أو منع تقدمها وتطورها، لصالح مشاريع إقليمية أو مخططات دولية، تستخدم أدوات محلية صغيرة ومريضة لتنفيذ أهدافها.
ولأن مكانة مصر لا تكتمل بمجرد ترتيب أوضاعها الداخلية، رغم أهمية هذا الأمر، ذلك أن مكانة مصر تتطلب أوضاعا عربية قوية وداعمة للقوة المصرية، وليس أوضاعا عربية تكون عبئا عليها، لذا فمن الأهمية بمكان أن يبدأ الرئيس عبد الفتاح السيسي عهده، وقد وجد الملف الفلسطيني الداخلي في حال أفضل، وقد تحققت المصالحة الداخلية، على طريق إنهاء الانقسام، ليتفرغ الفلسطينيون لمقارعة الاحتلال الإسرائيلي بكل الوسائل والأشكال، السياسية والميدانية، وحتى يكون بمقدور مصر أن تعود كفاعل أو حتى كوسيط داعم للطرف الفلسطيني، بعد أن انشغلت بأوضاعها الداخلية ثلاث سنوات، سمحت لجون كيري أن يتفرد برعاية المفاوضات الفلسطينية/ الإسرائيلية، دون أن يحقق شيئا، ومن المهم أيضا، أن تهدأ وان تستقر الأوضاع على الحدود الغربية، في ليبيا، كذلك أن يعود الخليج موحدا داخليا، باحتواء "طموحات" قطر الإقليمية، التي كانت سببا في زرع الشقاق في أفضل نموذج للتضامن العربي بين عدد من دوله، حتى يكون بمقدور مصر أن تعيد الاعتبار للمركز الإقليمي العربي، القائم على أساس التحالف مع السعودية، لمواجهة طموحات الدول الإقليمية: إسرائيل، تركيا، وإيران، على حساب العرب.
وإذا كان مهما أيضا أن يجد العرب طريقة لإعادة العراق للحضن العربي، بعد أن ذهبت بعيدا نحو إيران، فإن التاريخ أثبت أن مكانة مصر الإقليمية، لا تتحقق إلا مع سورية، وأن طائر الفينيق العربي، لا يحلق إلا عبر جناحين، هما: مصر وسورية وبينهما فلسطين، كان هذا هو حال قطز والظاهر بيبرس حين واجها التتار في عين جالوت بفلسطين، وكان هذا ما فعله صلاح الدين، الذي لم يجد طريقا لهزيمة الصليبيين وتحرير فلسطين والقدس، إلا بوحدة مصر وسورية، ومن ثم خوض معركة حطين.
لكن الحال في سورية ما زال يراوح مكانه، وما زال السوريون، بعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء انتفاضتهم لتغيير النظام، يخوضون حربا داخلية، دمرت البلاد، وشتتت الشعب، الذي صار "نصفه" بين لاجئ لخارج البلاد، ونازح فيها!.
ورغم أن استحقاق الانتخابات الرئاسية السورية كان يمكن أن يكون فرصة لوضع حد للحرب، وإعادة توحيد البلاد والشعب، إلا أن بشار الأسد أختار أن يمضي بالحرب قدما، بترشحه مجددا، في انتخابات لا يستطيع نصف الشعب المشاركة فيها، ومجرد خوضه لها يعني تكريس حالة الحرب القائمة، ورغم أن نتيجة التصويت لبشار، كانت أقل من المرتين السابقتين، كما أنها جاءت هذه المرة في سياق انتخابي، حيث ترشح أمامه منافسان، ولم تكن كما المرتين السابقتين كاستفتاء فقط، إلا أنه يبدو أن أمام السوريين، أن يحققوا منجزات الشعب المصري، كلها دفعة واحدة.
لم ينجح السوريون في قطع الطريق على توريث بشار كخلف لحافظ العام 2000، ثم لم ينجحوا في إسقاط رأس النظام في آذار العام 2011، وما زالت الجماعات الدينية المتطرفة تقاتل فيما يتم إخراجه من مناطق من قبضة النظام، والسوريون بذلك يعيشون بين نيران عديدة، نيران اللجوء والنزوح، نار النظام، نار "داعش" والنصرة، وحتى نيران مجهولة وربما صديقة، فحتى المعارضة المقبولة، مرهونة بقوة عسكر الجيش الحر، وبذا فإن الانتخابات الرئاسية السورية على النقيض تماما من الانتخابات المصرية جاءت لتكرس الانقسام والحرب الداخلية، لا لتحقق الوفاق والاستقرار، ولا لتقوي من مكانة سورية، بل لتجعلها رهينة أكثر بيد القوى الإقليمية، بما في ذلك النظام نفسه والذي صارت رقبته بيد "حزب الله" وإيران، أكثر من أي وقت مضى. لذا فإن طائر الفينيق العربي، الذي يحلق بجناحه المصري عاليا، الآن، سيضطر إلى انتظار جناحه السوري، حتى يكون بمقدوره أن يحمل العالم العربي بأسره، إلى آفاق الحرية والعدالة، والكرامة الإنسانية.
Rajab22@hotmail.com

رجب ابو سرية