في أول اختبار للمصالحة برزت أزمات عدة في العلاقات الفلسطينية الداخلية، والرؤية العامة لمعالجة الحالة الفلسطينية الراهنة أكثر مما أظهرت أننا أمام مرحلة وفاق وطني، ورؤية فلسطينية جديدة لإدارة الحالة الفلسطينية وإخراجها من مرحلة الانقسام، والضحية هم الموظفين، بينما أطراف المصالحة يواصلون المناورات والتكتيكات السياسية لتحقيق أغراض خاصة غير مبالين بمعاناة المواطن الموظف وأسرته، والحالة الاجتماعية والمعيشية لعموم المواطنين والمجتمع.
قبل الحديث في جديد المصالحة ومصيرها ومستقبلها ومخرجاتها لا بد من الوضوح من قبل أطرافها في أن المصالحة لا يجب أن تقود المواطن الفلسطيني البسيط والمقهور من الاحتلال والحصار إلى أزمات ومعاناة جديدة، وضغوط تدفعه لفقدان الثقة في قيادته وسلطته وفصائله ومشروعه الوطني، فكل أمر مهما على شانه تحت ضغط لقمة الخبز، والمعيشة اليومية، وألم الجوع والحاجة، سيكون من وجهة نظر المواطن البسيط والموظف المسحوق غير ذي قيمة، ونوع من الملهاة المؤلمة، والتلاعب بأرزاق الناس وحياتها.
إن العذابات التي يمر بها المواطن الفلسطيني اليوم في غزة تحت سوط الرواتب تمثل وصمة عار للمجموع الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يميز بين أولوياته، وبين ما هو ضروري وملح وما هو مهم ومؤجل، وبين حياة لا تتوقف وبين سياسية تتكيف، وبين مواطن اسمه وعنوانه ومصيره مواطن وبين فصيل وسلطة وحكومة لها أجندة ليس هو عنوانها ولا محددها.
إنه عيب على القيادة الفلسطينية، وفصائل الشعب الفلسطيني، والسلطة الفلسطينية أن ترمي بمواطنيها إلى عذابات لا يقدرون على تحملها، ولا إلى أعمال لا يريدونها، ولا إلى معاناة تنهكهم وتستنزف طاقاتهم وإنسانيتهم.
إن ما يجب على حكومة الوفاق الوطني مع التحفظ على التسمية، وعلى رئاسة هذه الحكومة، هو أن تثبت لأبناء شعبها أنها حاضنة المجموع الفلسطيني، وتدير إستراتيجية استدراج الشعب من الانقسام والخلافات إلى الوفاق والمساواة، وأنها ليست مسئولة عن تحكيم ما كان وإنما مسئولة عما تم الاتفاق عليه، وان عليها أن تضع الآليات المؤدية لذلك، لا تبحث في الإشكالات التي تعطل ذلك، عليها أن تدرك أن أرزاق الناس لا تخضع للمناورات والمهاترات والسجالات السياسية، وان عليها أن تتكلم بخطاب واحد، ولغة جامعة، وأن تبادر إلى خطوات تضمن الرضا ولاطمئنان للجميع أمام القانون وأمام الحقوق، فالساحة اليوم ليست موظف رام الله وموظف غزة، وليس حسابات فتح وحسابات حماس.
الساحة اليوم هي الموطنين الفلسطينيين مهما كانت الظروف حكومتهم هي المسئولة عنهم، وعليها أن تقف على مسافة واحدة منهم جميعا، تنفق عليهم، تصبرهم وتصبر عليهم، تنزلهم في منظومة واحدة من هياكلها وسلمها الوظيفي.
إن ما يجب على حكومة الوفاق أن تكف عن التصريحات والبيانات المتضاربة والتي تعمق من معاناة الموظفين ومأساتهم، وأن تكون واضحة في الإجراءات والخطوات التي ستقدم عليها، وان تضع لكل ذلك سقف زمنيا محددا، وإجراءات محددة يطمئن لها الموظفين وفقا للقوانين الناظمة، وأن تعمل على تعزيز الشعور بالثقة والمساواة بين جميع الموظفين، وتجنيبهم أية خلافات سياسية أو تباينات بين الفصائل والقوى السياسية المتنافسة باعتبار أن المواطن "الموظف" خارج أية حسابات سياسية أو مكاسب فصائيلية.
فالموظف سواء كان في غزة أو الضفة، أو أي مكان في فلسطيني ما هو إلا مواطن فلسطيني يتطلع إلى توفير لقمة عيشه وتامين حياة كريمة له ولعائلته بعيد عن أي ظروف أو اعتبارات سياسية أو فصائيلية، لذا علينا إن نعينه ونسهل عليه الوصول إلى مرتبه وأسباب معيشته، ونجنبه أن يكون ضحية للتغيرات والحسابات السياسية.
المواطن لا يهمه أصابت حماس، أو كسبت فتح، أو أدركت الحكومة، أو اكتمل النصاب، او استوفت الشروط، أو استكملت الإجراءات، ما يهمه أن تعطيه ما يقيته، ويكفه عن السؤال، ويدفع عنه الحاجة، ويشعره بأنه منمي لهذا المجموع الفلسطيني الكبير من غير تمييز ولا محاباة.


