خبر : مَنْ سَيَعْتَذر أخيراً؟..خيري منصور

الأحد 08 يونيو 2014 07:56 م / بتوقيت القدس +2GMT



بمرور الزمن وتكرار التجارب اتضح على نحو حاسم أن العربي لديه من الفراسة السياسية وبالفطرة ما يؤهله لأن يحزر الحقيقة فيما يتعلق بكل أنماط التعبير التي تتوجه إليه . لهذا لم يصدق في فترات معينة كل ما سمعه من إعلام يستهدف نفاقه وتدليك ذاكرته وعواطفه . وغالباً ما كان يُفرّق بين الحمل الكاذب وأعراضه المضللة وبين الحمل الحقيقي، ولم يحدث أن أحضر مهداً وثياباً للمولود الموعود ثم باعها لأنه لم يولد .
واللحظات التي نعيشها الآن رغم كثافتها وثقلها يتلألأ من داخلها وميض أمل حقيقي، فالمسلوب منا ليس أرضاً فقط، بل هو الوعي الذي طالما كان مفارقاً للسائد والمقرر، وما يمكن رصده الآن هو أن الغيبوبة السياسية التي أوشكت أن تصبح موتاً سريرياً بدأت تفقد سطوتها على العقل، ولهذا ليس غريباً أن تعود إلى العربي ذكريات مفعمة بالأسى والكبرياء الجريح، لكنها ليست مجرد نوستالجيا كما يتصور من راهنوا على استمرار الغيبوبة حتى الموت، فالتاريخ لم يبدأ البارحة أو هذا الصباح، وكان له ظلال وأصداء لم تغرب، لكنها بانتظار ما يوقظها، وما يدركه معظم العرب الآن هو أنهم قاب قوسين أو أدنى من النجاة، بعد أن كانوا جسداً مريضاً مسجى على طاولة، ومن حولهم تشحذ السكاكين، فعلى صعيد الإقليم الذي كانوا دائماً محوره مرّ وقت سال فيه اللعاب من حولهم لاقتسامهم كغنائم، ثم اتضح أن البعير سفينة صحرائهم وحامل عبء أوجاعهم تماوت لكنه لم يَمُتْ، وادخر في ذاكرته ما يكفي لأن يقي نفسه من تكرار اللدغ .


والآن تتراجع الخصخصة القومية التي أوشكت على تمزيق الهوية الأم لمصلحة شعور جمعي، يجعل الحدث الذي كان محليّاً خالصاً في أي بلد عربي يتخطى الحدود ليصبح شجناً قومياً، وقد تكون مصر في هذه الأيام خير مثال . فالاهتمام العربي بكل ما يجري فيها حتى أدق التفاصيل ليس من صناعة الميديا وحدها، بل هو استجابة عضوية لتحديات تشمل النطاق القومي من الماء إلى الماء، والذي حلم الأباطرة الجدد برسم حدوده من الدم إلى الدم!


قليلون هم الذين استعصى وعيهم القومي على التدجين، ومنهم من أحسّ خلال العقود الثلاثة الماضية كما لو أنه يتشبث بالجمر الذي يحرق أصابعه ويتمدد لهبه ليكوي لسانه أيضاً، ولهؤلاء الفضل في الدفاع عما تبقى، بغض النظر عما يحملون من أسماء أو ألقاب، سواء كانوا مثقفين أو ناشطين أو مواطنين عاديين .


كم كان عسيراً على العربي أن يبقى على قيد ذاكرته وهويته في ذلك الخريف الطويل، فمَنْ سَيَعْتَذرُ لِمَنْ بعد انقشاع هذه السحابة السوداء؟
مَنْ غسل يديه وقدميه من انتمائه وتاريخه وقرر البحث عن خيمة خارج الجغرافيا والتاريخ معاً، أم الذي لم يشكّ لحظة في سلامة وأصالة الحليب الذي رضعه؟ 

عن صحيفة الخليج