-1-
هذه أول إنتخابات رئاسية تشهدها مصر تتم في ظل ظروف إستثنائية ، ولا أحد يستطيع أن يشكك في مصداقيتها ونزاهتها، وتتم ولأول مرة في ظل بيئة سياسية العامل المؤثر والمقرر فيها هو الشعب،وهذا أحد أهم نتائج ثورتى يناير ويونيو، وهو ما ينبغى أن يدركه اى مرشح للرئاسة المصرية ، وخصوصا في حالة الرئيس السيسى الذي دخل الإنتخابات إستجابة لهذه الإرادة الشعبية ، وفاز بنسبة غير مسبوقة أيضا بفعل هذه الإرادة ، دون اى دور مباشر لحزب أو قوة سياسية أوقوة رجال اعمال أو أى قوة أخرى كما في الإنتخابات السابقة . وهى ظاهرة سياسية جديدة في السياسة المصرية .
-2-
والملاحظ في هذه الإنتخابات إرتفاع نسبة التصويت والمشاركة مقارنة بالعديد من التجارب السياسية حتى في الدول الديموقراطية ، فهى أول إنتخابات يحصل فيها مرشح للرئاسة على كل الإصوات السياسية المشاركة ، ولا يمكن تجاهل إن هذه الإنتخابات تمت في ظل مقاطعة من الإخوان وبعض القوى السياسية المتخوفة من ترشح السيسى ، ومع ذلك نجح في الحصول على نسبة تصويت قاربت الثلاثة والعشرين مليون صوت من ما مجموعه ثلاثة وخمسين مليون صوت تقريبا ، ومع حذف الأصوات المقاطقة ، وأصوات الوافدين الذين لم يتمكنوا من المشاركة لأسباب فنية في آليات نظام الإنتخاب ، لأتضحت لنا حقيقة نسبة المشاركة التي تجاوزت التسعين في المائة ، ومع التسليم جدلا وبعيدا عن ن المشاركة الرسمية ، لو أتيحت الفرصة لهؤلاء الوافدين من التصويت ثانية لوصلنا للنسبة الحقيقة والمتوقعة لفوز الفريق السيسى . وعليه الإنتخابات توفرت لها صفة الشرعية القانونية من حيث نسبة التصويت ، ومن حيث نزاهتها.اما من منظور الشرعية السياسية فهى نسبة كفيلة أن تعطى صاحبها شرعية شعبية كافية ليحكم . وفى كل النظم السياسية تكون نسبة التوقعات مرتفعة ، وهذه النسبة يمكن أن تأخذ في الإعتبار من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسى ، وهو العمل على رفعها بالإنجاز ، وهو معيار اى شرعية سياسة في المستقبل.
-3-
الفريق السيسى هو الرئيس السابع لمصر منذ ثورة يوليو 1952 والثانى بعد ثورة يناير ، وإسقاط حكم الدكتور مرسى الإخوانى ، الذي لم يستمر اكثر من عام واحد، وهو الدرس ألأعمق في ثورتى مصر ، وفى إنتخاباتها الرئاسية . والإنتخابات هذه المرة كانت رسالة قوية للمرشح الفائز، وهى انه لن يكون أسطورة ، وأن عصر الأسطورة قد إنتهى ، وصحيح أن الشعب المصرى هو من طالب السيسى بالترشح، وهو من أعطاه صوته وأوفى بوعده، لكنه في الوقت ذاته أكد له أنه هو صاحب القراروالسلطة ، وهو من يفوض ويسحب التفويض. وأن هذه الشعبية التي حاز عليها هى تفويض للرئيس ليأخذ في الإعتبار اهداف الثورة ، والحفاظ على هويتها الوطنية . وأن مصر لا تختزل في شخص الرئيس، بل الرئيس الناجح هو من تختزل شخصيته في الشخصية المصرية ، ولعل هذه أول التحديات التي تواجه الرئيس وهى إستعادة الهوية الحقيقة لمصر في إطار الشخصية الحاضنة والمتسامحة .
-4-
رئيس مصر هو رئيس لكل المصريين ، لمصر الدولة والشعب ، ومصر الأمة ، وليس رئيسا لجماعة أو حزب او قوة سياسية ،وهو يستطيع أن يرجع لهذا الشعب في أى وقت ليقرر مصير في قضية مصيرية ، فالشعب يقرر والرئيس يحكم ، هذه هى القاعدة الجديدة للحكم التي قد أرستها الثورة المصرية ، والتي أكدت عليها الإنتخابات المصرية.
-5-
لقد كشفت هذه الإنتخابات ضعف قوى اليسار والقوى الليبرالية التى في حاجة لأن تراجع خطابها السياسى ، وآليات تواصلها مع الجماهير، وأن تنزل من برجها الثقافى والفكرى العاجى وتخاطب الناس بلغة سهلة بسيطة . وكشفت أيضا ضعف القوى الدينية كالإخوان ، ولو كان لهم الصوت الحاسم والنسبة ألأكبر ما نجحت الإنتخابات ، وأكدت إن الشعب المصرى لا تؤثر فيه كثيرا العوامل الحزبية ، وان العامل الأكبر الذى يحكم السلوك التصويتى له هو إعتزازه بإنتمائه لمصر.
-6-
وما يميز هذه الإنتخابات أنها تأتى في أعقاب سقوط نظامين للحكم ليسا سهلين أو ضعيفين ، النظام ألأول نظام إتسم بالشخصانيةالسلطوية والفردانية ، والثانى إعتمد على قوة الجماعة ، ولذلك المهمة ألأكبر للرئيس الجديد وهى التأسيس لمؤسسات الجمهورية الثالثة الثابتة والقوية والراسخة ، والتأسيس لشرعيتها بما يضمن في المستقبل عدم قدرة اى تنظيم وقوة سياسية تأتى للحكم يمكنها أن تتجاوزها، ولذلك نجاح الرئيس الجديد ودخوله التاريخ السياسى المصرى من أوسع أبوابه هو بنجاحه في التاسيس لهذه الجمهورية عل أساس من المؤسساتسة ، والمواطنية المصرية الواحدة ، والإنجاز الإقتصادى والعلمى الذي يعيد لمصر هيبتها ودورها المركزى إقليميا ودوليا ، وبقدرته على تحقيق وتبنى مشروع المصالحة القومية .
-7-
الرئيس الجديد يأتى للرئاسة وتنتظره ملفات وتحديات وأولويات كثيرة لا يمكن لأى رئيس وحتى لو كانت ورائه المؤسسة العسكرية القوية أن يكون قادرا على مواجتها بمفرده ، فهو سيحكم ليس بقوة الجيش ، وإنما بقوة الشعب نفسه، وهذا يحتاج منه منهاجية جديدة في الرئاسة والحكم تقوم علي مبدأ الشراكة الوطنية ومساهمة العقل المصرى في حل هذه المشاكل.ولذلك الكل ينتظر من الرئيس السيسى منهاجا في الحكم يكون قدوة ، ومغايرا لما سبقه.
-8-
لقد اكدت هذه الإنتخابات أن منصب الرئاسة ليس مجرد تصريح دخول لقصر الإتحادية ، والتمتع بمزايا الرئاسة ، بل هذه المرة وظيفة ومهمة وإنجاز ، ولعل الرئيس السيسى وقبل قبوله الترشح للرئاسة يدرك هذه المفهوم الجديد للرئاسة ، بل هو من أكد عليه وثبته ورسخه في العديد من لقائاته قبل وصوله للرئاسة . هذه هو أساس الحكم في النظم الديموقراطية ، فليس مهما أن يحصل الرئيس على كم من الأصوات في الإنتخابات ، بقدر قدرته على الإنجاز والتصدى للمشاكل والتحديات التي لها طابع ملح وخصوصا في القضايا الإقتصادية .وهذا هو معيار الحكم الناجح.
-9-
لقد ارسى الرئيس السيسى وقبل فوزه قاعدة جديدة في الحكم وهى الموائمة بين الحكم الرشيد والحكم الديموقراطى ، فلا أحد يستطيع إن ينكر إن مصر مثل غيرها من الدول العربية في حاجة لوقت لإرساء الثقافة الديموقراطية ، ولذلك لا يمكن أن ننتظر حتى تتحقق الديموقراطية ثم نحكم ، البديل لذلك في المرحلة الإنتقالية مرحلة التاسيس إرسا أسس الحكم الرشيد الذي يقوم على مبدأ الشفافية والمساءلة وةالإنجاز وإستصال الفساد، ولعل الأخير هو الذي يقف وراء لماذا تراجع دور مصر رغم غناها ماديا وبشريا.
-10-
ويبقى القول إن الرئيس امامه مهام وتحديات كثيرة في مجال الأمن والتنمية والعلاقات الخارجية ، وهذه المهام طريها للحل هو العمل الجماعى وهو ما اكد عليه الرئيس السيسى قبل فوزه عندما يسأل ما هو برنامجه وماذا سيفعل كان جوابه ماذا يمكن أن يقدم الشعب المصرى لمصر، وأخيرا لقد منح الله السيسى من صفات الكارزمية الكثير منها صفة الهدوء التي تتيح لصاحبها القدرة العقلانية على القرارات السلمية ، وصفة الحزم التي تحتاجها الظروف الإستثناية إلى تمر بها وخصوصا قضية ألأمن . ولعل العامل القوى الذي يقف وراء نجاحه هو روحه الإنسانية وعطفه وحنيته على الطفل والكبير، وبقدر الحفاظ على هذا البعد الإنسانى في الحكم بقدر نجاحه. وليتذكر أن كل العيون ترقبه في الداخل والخارج ، فهو رئيس لمصر الدولة ألقلب لعالمها العربى ،وبنجاحه تستعيد العروبة قوتها .


