خبر : لماذا انكسر الربيع العربي ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 06 يونيو 2014 07:48 ص / بتوقيت القدس +2GMT



وكأنها ألواح زجاجية، ما أن ارتطمت ثورات العرب بقوى الثورة المضادة في مصر وتونس وليبيا واليمن حتى انكسرت وتبعثرت في كل اتجاه. شعارات الحرية والعدالة والكرامة التي رفعتها الشعوب قبل ثلاث سنوات حل مكانها اليوم شعار يتيم هو الحرب على الإرهاب.

النشطاء الذين قاموا بتحريك المياه الآسنة في العالم العربي يقبعون اليوم في السجون.
الأنظمة التي أسقطتها الشعوب العربية بدمائها تعود اليوم إلى السلطة، مهما حاول البعض الادعاء بأن قوى الثورة المضادة قوية بسبب سيطرتها على الإعلام والعسكر وبسبب تحالفاتها الإقليمية والدولية إلا أن هذه المعطيات وحدها لا تمكن هذه القوى من الانتصار دون قاعدة اجتماعية داعمة لها، ما هي الأسباب التي أدت إلى نجاح قوى الثورة المضادة؟
لا ديمقراطية دون ديمقراطيين
لا يمكن حماية أي نظام ديمقراطي إن لم يكن هنالك ديمقراطيون يؤمنون بأهمية التداول السلمي للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع، ولا يبدو بأن هذه القوى موجودة في العالم العربي.
في مصر القوى التي فجرت ثورة 25 يناير هي نفسها التي قامت بتحريض الملايين يوم 30 يونيو 2013 على النزول للشارع للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة.
الغريب أن هذه القوى تحالفت مع الجيش لعزل رئيس منتخب وأيدت لاحقاً جميع الإجراءات التي قام بها على الرغم من أنها كانت قد عارضت الجيش طيلة إدارته للفترة الانتقالية.
القوى الديمقراطية الحقيقية تدرك أن مكان الجيش في أي بلد ديمقراطي هو الثكنات وأن لا شأن للجيش في قضايا سياسية هي من اختصاص المدنيين.
سيناريو مشابه جرى في تونس، الاتحاد العام للشغل متحالفاً مع القوى المعارضة لحكومة النهضة، والتي تضم فعلياً جزءاً مهماً من القوى التي أطاحت بنظام بن علي، أجبرت حركة النهضة على التنازل عن الحكم. النهضة تفادت الانقلاب بتخليها عن الحكم طواعيةً حتى لا يحدث لها ما حدث للإخوان في مصر.
في تونس كما مصر لا توجد قوى سياسية تؤمن فعلياً بالديمقراطية كأسلوب للحكم.
الإخوان في مصر والنهضة في تونس لا يختلفون عن خصومهم، هم أرادوا صندوق الاقتراع ليصلوا للحكم لكنهم لم يقتنعوا بأن فكرة التداول السلمي للسلطة هي مسألة لاحقة لعقد اجتماعي يتم التوافق عليه أولاً في الدستور.
في مصر وتونس قام الإخوان والنهضة بتفجير صراع على كل المواد الدستورية المرتبطة بهوية مجتمعاتهم ابتداء من تضمين الشريعة كأساس للتشريع، مروراً بطبيعة الحريات التي يحق للناس ممارستها وتلك التي يجب حرمانهم منها، وانتهاء بدور المرأة في المجتمع وحقوقها.
الإصرار على إقحام الدين في السياسة من باب أن هوية المجتمع الثقافية في العالم العربي هي الإسلام يكشف سطحية إيمان هذه القوى بالديمقراطية.
في غياب قوى تؤمن بالديمقراطية سواء بين القوى التي تسمي نفسها مدنية أو بين قوى الإسلام السياسي لم يكن بالإمكان حماية الثورة من قوى الثورة المضادة لأن الأخيرة وجدت لها حلفاء يقدمون الغطاء لعودتها من باب الخلاص من أنظمة الإسلام السياسي.
للتذكير فقط، قوى الإسلام السياسي قامت بتقديم الغطاء للجيش لقمع القوى المدنية أثناء صعودهم للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع.
في مصر مثلاً، كان الإخوان هم المحلل الشرعي لقمع الجيش للقوى المدنية طيلة الفترة الانتقالية التي سبقت وصول الرئيس مرسي للحكم.
وبعد وصوله كان الإخوان هم من حَصن الجيش في دستور 2012.
لا يمكن لأية ثورة أن تحافظ على انتصارها إن لم تنه الأسباب التي من أجلها حدثت الثورة.
لم تحدث الثورات العربية بسبب غياب التبادل السلمي على نظام الحكم ولكنها حدثت بسبب غياب العدالة الاجتماعية، بسبب الفقر، ملايين العاطلين عن العمل، الفساد الذي لا يعرف حدوداً، امتهان كرامة الإنسان العربي من قبل أجهزة القمع، التبعية السياسية المهينة لقوى دولية.
الديمقراطية قد تتمكن من القضاء على الفساد وإلغاء الاستبداد بسبب نظام الرقابة المتبادلة لأجهزة الدولة المنتخبة على بعضها البعض وعلوية سيادة القانون وإنهاء التبعية السياسية للخارج، لكنها لا تستطيع تحقيق العدالة الاجتماعية وإلغاء الفقر وتوفير فرص العمل وإحداث تنمية.
هذه قضايا تحتاج إلى تدخل مباشر من قبل الدولة لتوجيه الموارد الاقتصادية بقصد تحقيق إنجازات تحقق تغيراً في حياة الناس إلى الأفضل. بخلاف ذلك، لن يدافع الفقراء عن الثورة وليس من المستغرب أن يتحولوا الى خصوم لها فهم في نهاية المطاف لم يستفيدوا من ثورة دفعوا هم ثمن نجاحها بدمائهم.
في مصر وتونس لم يلمس الناس تغيراً في حياتهم بعد فوز الإخوان والنهضة في الحكم.
السياسات الاقتصادية بقيت كما هي، الفقراء ازدادوا فقراً، الأسعار ارتفعت، الاولويات أعطيت لتسهيل وتشجيع الاستثمار ومفاوضة البنك الدولي على قروض جديدة وهي نفس السياسات التي كانت الانظمة القديمة تمارسها. السياسات الخارجية لم تتغير، وجبهتا الحلفاء والأعداء لم يطرأ عليهما تغير.
الأسباب التي أدت لقيام الثورتين بقيت قائمة، لذلك لم يتردد قطاع واسع من الناس بالتهليل لنزع الحكم من التنظيمين ولن يترددوا في العمل على نزع الحكم من الحكومات الجديدة أيضاً إن بقيت الحال على ما هي عليه.
كان على الإخوان والنهضة أن يصادروا أموال رجال الأعمال الفاسدين، أن يحدثوا ضرائب تصاعدية، أن يضعوا حداً أدنى للأجور، أن يعطوا الأولوية في التنمية للمناطق المهمشة.
كان عليهم باختصار أن يعلنوا انحيازهم لفقراء شعوبهم بالقول والممارسة لكنهم لم يفعلوا ذلك لاعتقادهم بأن المشكلة كانت في فساد المنظومة الاقتصادية للأنظمة التي أسقطتها الثورة وليس في انحيازاتها الطبقية لشريحة قليلة من الناس.
الفساد يؤدي للفقر، لكن ليس كل الفقر سببه الفساد، خيارات الدولة الاقتصادية، بمعنى أين تستثمر الدولة مشاريعها وما هي أولوياتها الاقتصادية وما هي طبيعة مشاريعها جميعها يؤثر في إنهاء أو زيادة نسبة الفقر.
لا يمكن للثورة أن تضمن انتصارها إن لم تستول على أدوات القمع.
لم تحكم الانظمة المستبدة بقوة الإقناع السياسي وبشرعية صندوق الاقتراع منذ حصول البلدان العربية على استقلالها السياسي ولكن من خلال أجهزة قمع أحدثتها وصرفت عليها الاموال الطائلة.
في بعض البلدان تجاوز عدد أفراد هذه الأجهزة عديد القوات المسلحة وميزانياتها تجاوزت موازنات الجيوش المكلفة بالدفاع عن الأوطان.
حتى الجيوش خضعت لتغيير في عقيدتها السياسية وتم احتواء ضباطها بامتيازات هائلة بدءا من تقاعد مبكر، الى شقق بأسعار تفضيلية، الى رواتب خيالية في أجهزة الدولة ومؤسساتها الاقتصادية بعد التقاعد، الى علاج مجاني في مستشفيات حديثة واستراحات ترفيهية لا يمكن لأفراد الشعب التمتع بها.
هذه الامتيازات وحدها كفيلة بأن تدفع المؤسسات الأمنية للقيام بكل ما تستطيع للحفاظ على الانظمة القديمة لأنها جزء منها.
عندما هُزمت المنظومة الامنية في تونس ومصر حدث هنالك فراغ سياسي لم يمكن بإمكان قوى الثورة ملأه لغياب قيادة موحده لها.
لهذا تقدمت الجيوش لتعبئة الفراغ السياسي وأعلنت عن خرائط طرق لانتخابات سياسية وهو ما سمي انحيازاً من قبلها للثورة.
كان على القوى التي استلمت الحكم أن تقوم بتطهير أجهزة الأمن وأن تملأها بعناصر موالية للثورة حتى لا تنقلب عليها.
لكن النهضة في تونس والإخوان في مصر حاولوا مداهنة واستمالة هذه الأجهزة لصالحها، وعندما تغير المزاج الشعبي، ومن الطبيعي أن يتغير في ظل استمرار نفس سياسات الأنظمة القديمة، انحازت المؤسسات الأمنية لمصالحها المرتبطة مع الأنظمة القديمة.
خلال فترة المداهنة ومحاولات الاستمالة استعادت هذه المؤسسات قوة تنظيمها وعوضت خسائرها، وكانت جاهزة لممارسة دورها الوحشي عندما جاءت لحظة الحقيقة.
الثورات لا تنتصر بالدعاء والامنيات ولكن بالسيطرة على المنظومة الامنية من أجل تحييد دورها المعادي للثورة.
باختصار عدم وجود ديمقراطيين في الثورات العربية، وعدم مغادرة القوى التي حكمت مربع سياسات الانظمة القديمة بعد انتصار الثورات وعدم سيطرتها على المؤسسات الأمنية أعطى قوى الثورة المضادة الفرصة للعودة الى المشهد السياسي من نفس الباب الذي غادرته.