كانت للقضية الفلسطينية على الدوام روابط عميقة مع مصر، التي شكلت تاريخياً الدولة العربية الأكبر والأكثر قوة. وهكذا، لعبت مصر أهم الأدوار وأكثرها تأثيراً في تحديد موقف العالم العربي من فلسطين، على المستوى الإقليمي أو الدولي على حد سواء.
عندما كانت العلاقات بين مصر والقادة الفلسطينيين جيدة، مثلما كان حالها خلال حقبة جمال عبد الناصر، لعبت مصر دوراً مركزياً وقدمت الدعم للقضية الفلسطينية. وعندما تدهورت هذه العلاقات، كما فعلت في ظل حكم أنور السادات ومرة أخرى خلال السنتين الأخيرتين، خفت التأثير المصري. وعندما تكون مصر مستقرة داخلياً، فإنها تكون نشيطة على المستوى الخارجي، وهو ما يفيد القضية الفلسطينية. ومع ذلك، وعندما تصبح مشغولة بهواجسها وشؤونها الداخلية وتتحول إلى الداخل، فإن أدوارها الإقليمية والدولية تتراجع، وكذلك تفعل رغبتها وقدرتها على دعم القضية الفلسطينية.
منذ بدء الثورة المصرية في العام 2011، كانت مصر منشغلة تماماً بشؤونها الداخلية، وهو تركها غير قادرة على ممارسة أي تأثير يعتد به على الشؤون الإقليمية والدولية. وقد تفاقم هذا الوضع بالنفوذ المتزايد للدول غير العربية، مثل إيران وتركيا، وعلى نحو أفضى إلى انحدار القوة الدبلوماسية للدول العربية وفعاليتها. وفي هذه الأيام، تحاول معظم الدول العربية التعامل مع مشكلات شعوبها الخاصة، وتناضل مع الثورات المحلية والحروب الأهلية. وهكذا، أصبحت القضية الفلسطينية تتراجع إلى الهوامش، وأصبح الفلسطينيون يُتركون ليواجهوا إسرائيل وحدهم، وهو الأمر الذي لا يستطيعونه.
مع ذلك، منح انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً جديداً لمصر للفلسطينيين بعض الأمل بأن قضيتهم سوف تعود إلى واجهة الشؤون العربية -أو أنه سيكون هناك، على الأقل، تعديل بسيط في ميزان القوى مع إسرائيل. وليس لهذا أي صلة بأي أحكام قيمة على الثورة المصرية، وإنما هو موقف عملي محض، قائم على حقيقة أن انتخاب السيد السيسي سوف يؤثر على الشؤون الفلسطينية بثلاث طرق مهمة.
أولاً، ربما يؤشر هذا الانتخاب على عودة الاستقرار إلى مصر، وهو استقرار مهم للفلسطينيين وللدعم المستقبلي للقضية الفلسطينية. ولا يتمتع السيد السيسي بدعم الجيش فقط، وإنما أيضاً بدعم شريحة كبيرة من المواطنين المصريين من الراغبين في عودة الاستقرار والأمن والأحوال الطبيعية إلى بلدهم. ولن يحدث هذا سريعاً، لكن تداعياته سوف تتراكم بسرعة. وسوف يحتاج أي رئيس جديد لمصر، من أجل الحيلولة دون نزول المحتجين إلى الشوارع ثانية، إلى إخراج البلد من ضعفه الحالي، وإلى تحديث البنية التحتية، وتحديث التعليم وتحفيز الاقتصاد.
ثانياً، سوف يكون تحقيق الاستقرار في مصر أمراً ضرورياً لتمكين مصر من التنافس مع القوى الإقليمية الجديدة التي اغتصبت مكانتها. وإذا كانت الانتخابات المصرية ناجحة، فسوف يكون لها تأثير إيجابي على تهدئة المياه العاصفة للسياسة العربية. والحقيقة أن مصر تشكل دولة قوية ومركزية. وفي حال بدأت في الاستقرار، فإنه سيكون لذلك تأثير إيجابي على جيرانها العرب في أماكن مثل ليبيا وسورية ولبنان، بل وحتى العراق. وستشكل إعادة تجميع شذرات المشهد السياسي العربي الراهن خطوة حاسمة في وضع حد لتدخل اللاعبين غير العرب في الشؤون الإقليمية. وفي المستقبل القريب، يمكن لمصر، بدعم من الدول الخليجية، أن تعود لتلعب دوراً مركزياً في تحقيق هذه الغاية.
أخيراً، لن تتمكن مصر من النهوض والعودة إلى مكانتها الإقليمية السابقة من النوع الذي تمتعت به في ظل حكم جمال عبد الناصر، إلا إذا حررت نفسها من استسلامها المطلق للولايات المتحدة، التي قامت منذ حقبة السادات بتحويلها إلى مجرد قمر صناعي يدور في المدار الأميركي -بحيث بدت مصر في نهاية حقبة مبارك وأنها تتبع الأوامر الأميركية فقط.
بشكل عام، يبدو أنها ستكون للسيد السيسي علاقات مع الولايات المتحدة مختلفة عن تلك التي كانت لأسلافه. وبينما سيستمر في إدامة روابط مصر القوية مع أميركا، فإن هناك إشارات على أنه يخطط لتوجيه مصر في اتجاه سياسة خارجية أكثر استقلالية، وتشكل رحلته الأخيرة إلى روسيا واحداً من المؤشرات.
في حال حدث كل ذلك، واستطاعت مصر تجنب السقوط في دورة جديدة من العنف، فإن الوضع في فلسطين يمكن أن يشرع في التحسن بدوره أيضاً.
سوف يحتاج الفلسطينيون إلى إصلاح العلاقة التي كانت متوترة خلال الفترة التي جرى فيها اتهام حماس بالتدخل في الشؤون المصرية الداخلية (وهو ما أفضى إلى تنامي انعدام الثقة المصري وتشكيل عواطف سلبية تجاه الفلسطينيين بشكل عام). وقد دفع ذلك الهبوط في الثقة العامة بالسلطات المصرية إلى اتخاذ إجراءات ضد قطاع غزة، بما في ذلك تدمير المئات من الأنفاق التي كانت تشكل شريان الحياة الرئيسي بالنسبة لحماس في غزة. وقد أدت الإجراءات المصرية، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل تجفيف الدعم السياسي والمالي لحماس، إلى إفراز نتائج، ربما يكون من أهمها المصالحة الفلسطينية الداخلية التي جلبت فترة سبع سنوات من الانفصال الفلسطيني المرير إلى نهايته. باختصار، يبدو أن حماس تعلمت درسها.
بالإضافة إلى ذلك، ربما يؤشر رأب الصدع الفلسطيني على عودة الطبيعية إلى العلاقات مع مصر. وقد أصبح الحرس الرئاسي الفلسطيني هو الذي يتولى السيطرة على الحدود بين غزة ومصر، مما سيفضي إلى المزيد من السيطرة الفلسطينية على الأمن ويمكن مصر من التعامل بشكل أفضل مع الأمن في داخل شبه جزيرة سيناء.
نتيجة لذلك، يمكن أن تستعيد القضية الفلسطينية مرة أخرى الحليف الإقليمي والدولي القوي الذي تحتاج إليه بقوة أيضاً. ولا يتوقع أحد من السيد السيسي أن يتراجع عن معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل، بعد أن أصبحت هذه المعاهدة مهمة لأمن مصر القومي نفسه. ومع ذلك، من المتوقع أن يكون هناك مجرد سلام بارد مع إسرائيل، وأن تضطلع مصر بدور قوي ونشط في مواجهة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية.
تبقى التوقعات الفلسطينية العالية مرتبطة باستقرار مصر الداخلي. وسوف تتحقق بعض هذه التوقعات، فيما ستبقى أخرى مجرد آمال. لكنه في حال رفض السيد السيسي الإحجام عن مواجهة إسرائيل، كما فعلت مصر خلال حقبة مبارك عندما كانت واقعة بقوة تحت ضغط القبضة الأميركية، فإن ذلك سوف يكون بمثابة هبة كبيرة للقضية الفلسطينية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عالِم سياسي ووزير سابق في السلطة الفلسطينية. عن نيويورك تايمز


