خبر : مصر دائماً تفاجئ من يهمهم الأمر ! ...مهند عبد الحميد

الثلاثاء 03 يونيو 2014 08:32 ص / بتوقيت القدس +2GMT



"حَدِ فيهم كان يِصَدَق/ بعد جهل وبعد موت/ إن حِس الشعب يسبق أي فكر وأي صوت/ هي دي مصر العظيمة" كلمات شاعر مصر الكبير أحمد فؤاد نجم، الذي كان يلتقط دائما حس الشعب ويعبر عنه في فترات الهدوء وأثناء الانتفاضات، والأهم، كان يثق بأن "بهية" الشابة (مصر) "جاية فوق الصعب ماشية".

قرأ نجم انتفاضة يناير 77 بصورة مغايرة حين قال: لما قامت مصر قومة/ بعد ما ظنوها نومه /تلعن الجوع والمذلة والمظالم والحكومة.
وتوقع نجم زلزال 25 يناير 2011، و"تسونامي" 30 يونيو 2013 الذي جاء ردا على سرقة الثورة وعلى التدخلات الخارجية.
وفي انتخابات الرئاسة 2014 قدم الشعب تفويضا محدودا وحذرا للرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي.
ما حصل في المحطات السابقة للثورة وفي هذه الانتخابات كان مفاجئا للذين درجوا على التشكيك بقدرة الشعوب على الاستمرار في طريق الحرية، ومفاجئا للذين وثقوا اكثر بقدرة الثورات المضادة على سرقة الثورات، ومفاجئا لدوائر التدخل والضغط التي تبذل قصارى جهدها لاعادة انتاج الاستبداد وعلاقات التبعية.
وهذا يدفع للقول: أيها المشككون بقدرة الشعوب مهلا، لا تتسرعوا في الحكم، ولا تذهبوا بعيدا مع جزعكم الذي استحال إلى تأبيد ثنائية "مستبد وخانع".
انقسم الشعب المصري إلى ثلاثة اتجاهات، اتجاه مؤيد للمشير السيسي عن ظهر قلب وهذا الاتجاه هو الذي منحه نسبة 96 % من إجمالي الأصوات الصحيحة وظل على مواقفه المتحمسة والمؤيدة منذ 30 يونيو وحتى الذهاب الى صناديق الاقتراع.
وهذا يعكس ضعف التعدد والتنوع لدى الذين مارسوا حقهم الانتخابي رغم وجود مرشح ثانٍ هو حمدين صباحي الذي سبق وان حصل على 5 ملايين صوت في الانتخابات السابقة.
اتجاه مضاد ومعارض من الاخوان المسلمين وأنصارهم قاطعوا الانتخابات وهؤلاء لا يشكلون نسبة تتجاوز 10% وهو حجمهم الفعلي، خلافا لما روجوه من تمثيل النصف وأكثر من الفئات المستنكفة عن التصويت، واتجاه معارض يضم ثوريين ويساريين وليبراليين قاطعوا بسبب التضييق والقمع وكبح الحريات بما في ذلك حرية التعبير والتظاهر ورفض الحكومة الانتقالية الاستمرار في طرح مطالب الثورة والتي أقرنت المنع بالاعتقال وبالحكم عليهم احكاما جائرة.
وكان جزء من هذا النوع من المعارضة الراديكالية في صدارة ثورة 25 يناير وانتفاضة 30 يونيو وهؤلاء يشكلون نسبة 5% من الاصوات بحسب تقديرات مراقبين.
الاتجاه الثالث وهو الاوسع المستنكف ضم الفئات الشابة وفئات من الطبقة الوسطى والعاطلين عن العمل وذوي الدخل المتدني الذين ساءت احوالهم المعيشية ولم يثقوا بالوعود التي طرحت لحل الازمات.
وقد آثرت مكونات هذا الاتجاه الانتظار لمعرفة كيف سيتصرف العهد الجديد، واي سياسات يتبع في ظل التشابك مع النظام القديم الذي أدانه الشعب ونزع الثقة منه بالكامل.
او كما قال د. حسن نافعة: "إن الشعب المصري لن يعطي لقائد جديد شيكا على بياض وأن لديه مخاوف مشروعة".
إن نسبة المشاركين في التصويت ممن يحق لهم التصويت بلغت 45% أو ما يعادل 25 مليون ناخب وناخبة وهي تقل عن نسبة المشاركين في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية للعام 2012 التي بلغت 52% وإذا احتسب اليومان الاولان المقران من لجنة الانتخابات من دون التمديد ليوم ثالث - كان محط خلاف قانوني ونظامي - فإن النسبة تهبط الى 37%. ومع ان الرئيس السيسي حصل على عدد اصوات يزيد بستة ملايين كحد ادنى عن الرئيس السابق محمد مرسي إلا أن مستوى الشرعية السياسية التي حصل عليها الرئيس السيسي تراوح بين حد ادنى ومتوسط.
ثمة عوامل ساهمت في خفوت نسبة الاقبال:
• قدم الاعلام وبخاصة الفضائيات الخاصة نموذجا منفرا للدعاية الانتخابية، فلم يحترم الكثير من الاعلاميين والاعلاميات عقول المواطنين وقدموا خطابا تحريضيا ابتزازيا ينتمي الى المدرسة الشمولية الغابرة، بدا البعض متوترا وغاضبا معظم الوقت متهما الجمهور بالتقصير، وداعيا اياه للنفير، والبعض الاخر فقد توازنه، وغاب عن معظم وسائل الاعلام الحيادة والموضوعية، فلم يحظ المرشح الاخر إلا بالنزر القليل من الاهتمام، واحيانا كان يتعرض للهجوم.
وعوضا عن جذب الناخبين لممارسة حقهم الانتخابي ساهم الاعلام في تنفير الناخبين الى حد ملموس، ولم يكن من باب الصدفة حصول الاعلام على تقييم سلبي من معظم المراقبين.
• انطلق خبراء الحملة الانتخابية للمشير السيسي من فرضية تقول: ان حشود 30 يونيو و2 يوليو الضخمة استدعت قائد الجيش لانقاذ مصر وان الامر بقي على حاله.
وكانت تكفي استجابة قائد الجيش لهذه المهمة لتحويل الاستدعاء الى تفويض شعبي عارم تنتهي معه مهمة الشعب الذي سيضع قضيته في يد امينة.
قفز الخبراء عن وجود شق آخر للمعادلة فإلى جانب الالتقاء على إزالة خطر الدولة الدينية للاخوان المسلمين هناك شراكة في هدم النظام القديم وبناء النظام الجديد.
مهمة تاريخية تضع الشعب في موقع الشريك، وهذا له استحقاقات عديدة يأتي في مقدمتها الديمقراطية والحريات وثانيها استئصال الفساد ومحاسبة رموزه بالتقادم، وثالثهما الخروج من علاقات التبعية السياسية والاقتصادية تدريجيا.
إن الاكتفاء بعنصر واحد وتجاهل ثلاثة عناصر اساسية احدث الشرخ بين هذه النسبة من المستنكفين والمنقذ، وفي حالة الاستمرار في تجاهل الاستحقاقات فإن الشرخ سيتعمق وستعود العلاقة الى المربع الاول.
إن خبراء الحملة الانتخابية الذين نزعوا من الشعب صفة الشراكة حولوا الانتخابات الى كرنفال احتفالي بهيج.
• كانت اللوحة الانتخابية للرؤساء قبل الثورات العربية تتراوح بين 96% - 99% ووصل الرئيس صدام حسين في استفتاء 2002 الى 100% وحصل الرئيس حافظ الاسد العام 1999 على نعم بنسبة 99.98%، كان عنوانها قائدا وشعبا يصفق للقائد دون مؤسسات ولا حريات باستثناء حرية القول نعم - ولولا التشهد كانت لاؤه نعم - لكنها بدأت تتغير بعد الثورات.
ورغم افتقادها لاي مبرر بعد ان هدمت الشعوب جدار الخوف وبدأت تقاوم الاستبداد بكل اشكاله وصوره، إلا ان جوقات من الاعلام والاعلاميين، وفئة من رجال الاعمال الذين ينعمون بالاثراء ونهب البلد يطيب لهم إعادة انتاج النظام الشمولي وما حصدوا غير الفشل في يقظة شعوب مصممة على نيل حريتها وكرامتها.
Mohanned_t@yahoo.com