خبر : المصالحة السياسية والمصالحة المجتمعية ...بقلم: د.ناجى صادق شراب

الأحد 01 يونيو 2014 08:21 ص / بتوقيت القدس +2GMT
المصالحة السياسية والمصالحة المجتمعية ...بقلم: د.ناجى صادق شراب




المصالحة السياسية اشبه بالمرحلة ألأولى من نظرية الطائرة ، وهى مرحلة تحريك هذا الجسم الهائل للطائرة بما تحمل من حالة السكون إلى مرحلة التهيؤ للإنطلاق، وهى مرحلة تتوقف لى قدرة الطائرة على التحليق، وقد تطول هذه المرحلة أو تقصر وقد تلغى تحت أى ظرف طارئ. أما مرحلة المصالحة القومية أو المجتمية أشبه بمرحلة الدفعة لقوية التى تدفع بالطائرة إلى التحليق فى مسارها الطبيعى وصولا لمرحلة الهبوط الآمن لبدء مرحلة جديدة من التوالد الذاتى الذاتى . هذه الحالة تنطبق على الحالة الفلسطينية ، فما زلنا فى المرحلة ألأولى ، والتى من أعراضها تحريك حالة الإنقسام والتخلص من بعض أعراضها ، لكننا ما زلنا أمام مرحلة طويلة ، نحتاج فيها إلى دفعة قوية قادرة على الدفع بالمصالحة إلى مسارها دون قدرة أى طرف على العودة بها لأن النتيجة النهائية ستكون تحطم الطائرة والتضحية بمن فيها ، هذا هو المصير ولا خيار إما الحياة وإما الموت.وأعتذر منذ البداية على هذا الوصف. ونظرية الدفعة القوية تشكلا المصالحة المجتمعية ، او قوة الدفع الشبى التى تضمن السلامة والآمان للجميع.

ولدينا هنا نظريتان تفسران لنا ما نقوله : النظرية ألأولى نظرية النخبة السياسية والتى وظيفتها الوصول إلى إتفاق ومصالحة ، والتوقيع عليها . وهى نظرية هامه لأن من شان هذه النظرية أن تخلق التفاعل السياسى بين النخب السياسية ، والذى بدوره قد يخلق حالة من الثقة السياسية التى كانت مفقوده ، والنظرية الثانية النظرية المجتمعية التى تشكل وتوفر القاعده المجتمعية لأى إتفاق . وهنا شعور المواطن بفوائد هذا الإتفاق على مستوى العلاقات المجتمعية ، والسلوكية اليومية . ولو نظرنا إلى الحالة السابقة على إتفاق المصالحة سنجد غياب كلا النظريتين .فقبل التوقيع على إتفاق المصالحة لم يكن أحد يتوقع ذلك ، لسببين رئيسيين ، أولها غياب الثقة بين النخب السياسية على مستوى الحركتين ، بل إن العلاقة قد وصلت إلى حد درجة العداء،وعدم القبول لأى منهما ، ووصلت العلاقة إلى حد الإقصاء السياسى ، والسبب الثانى تغلغل الإنقسام إلى بينة المجتمع نفسه ، وإلى المكونات المجتمعية ألأولية مثل الأسرة التى إنقسم أفرادها ما بين حماس وفتح . ولذلك فإن هذا التوقيع يعنى إعادة درجة من الثقة بين النخب السياسية ، وإعادة اللحمة المجتمعية ، ولكن ليس بهذه السرعة ، لكنها البداية التى لا بد منها ، وهما الركيزتان لإنجاح المصالحة الفلسطينية .

ويحتاج الفلسطينيون الى ما هو ابعد واعمق من المصالحة السياسية ، ومن مجرد التوقيع على أتفاق مكتوب قد تذروه الرياح مع اول مطب سياسى أو خلاف بسيط على منصب أو وزارة أو حول موضوع التنسيق ألأمنى ، فالمصالحة السياسية تخضع لحسابات سياسية ضيقه ، وقد تخضع ايضا لحسابات شخصية فردية . وقد تعود معها الحالة الفلسطينية اسوأمما كانت عليه من أنقسام وصدام وتنازع ، ولن تكون المسألة مجرد خلافات ، ولذلك لا بد ألتأكيد منذ البداية أدراك أن سيناريو الخلاف والفشل فى أعقاب المصالحة قد يكون كارثى وأكثرضررا من عدم توقيع أتفاق المصالحة ، وهذا ما ينبغى التحذير منه ، لذلك وعلى الرغم من أهمية المصالحة السياسية ، ولا أحد ينكر حاجتنا الماسة أليها لكن وحتى تنجح هذه المصالحة فالمطلوب فلسطينيا الكثير الكثير ، لأن ألأمر لن يتوقف عند حدود أتفاق مكتوب لا تتعدى مساحته بعض سينتيمترات قليله من الورق ومن هنا أهمية التركيز على المصالحة المجتمعية التى توفر الركيزة والدعامة لأستمرار ألأتفاق وترسخه فى النسيج ألأجتماعى والسياسى للجسد الفلسطينى ، وضرورة خلق القوى المجتمعية الذاتية التى قد تحول دون العودة إلى الخلاف والصدام ، وفى أعتقادى اذا شعر كل طرف أن قوى المجتمع ومؤسساته فاعله وقادره على التحرك فهذا من شأنه ان يشكل عاملا مهما فى الحفاظ على أى أتفاق وضمان أستمراره.

والفرق كبير ما بين المصالحة السياسية والمجتمعية ، فالشعب الفلسطينيى فى حاجة ألى أن ينتصر ويتصالح مع نفسه ، حتى يقتلع كل الشوائب والقيم السلبية التى دخلت حياته بسبب الأنقسام ، وهذاه مسألة ليست بسهله ، ولا تعالجها إأتفاقات مكتوبه بقدر ما تعالجها أستعادة القيم الخالصه لهذا الشعب من تسامح ، ونبذ للعنف والكراهية والثأر ، ومن روابط عائلية وأسرية وفردية ، وأبراز دور القيم الدينية السمحاء التى تدعو إلى الوحدة وألإخوة ، والتداعى بين أبناء المجتمع كما يتداعى أجزاء الجسد الواحد ،. ولا بد أن نؤكد هنا على قوة الشخصية الفلسطينية ، وأن حالة ألأنقسام والتشرذم التى نخرت فى أجزاء الجسد الفلسطينيى وجعلت منه جسدا واهنا ضعيفا غير قادرا على الحراك وحتى مواجهة ألإحتلال كان بفعل عوامل مصطنعه، وليس لها علاقة بمكونات هذه الشخصية التوحيدية ، فالشعب الفلسطينى مقارنة ببقية الشعوب ألأخرى ، لا يعانى من مذهبية ، ولآ طائفية ، ولا حتى تحزبية متعصبة وأن عناصر التوحد فيه أكبر بكثير من عناصر التفتت والتشرذم ، وعلينا أن نعترف أن حالة ألأنقسام قد خلفت وزرعت ترسبات مجتمعية سلبية ، فهناك من فقد ابنه ، وهناك من أعتقل وعذب ، وهناك من أضطر لترك منزله وبيته ، وسالت دماء وأريقت على ألأرض الفلسطينية ومع ذلك تبقى لدى هذا الشعب القدرة على التسامح والترفع عن كل خلاف ، وحتى التضحية والتنازل من اجل المصلحة العامة والعودة للوحدة ، وخصوصا أن هناك أحتلال يبتلع الجميع ،

أذن نحن فى جاجة الى المصالحة المجتمعية وهى أساس أى مصالحة حقيقة ، فمصالحة المجتمع هى مصالحة كل الشعب الفلسطينى ، أما المصالحة السياسية فهى مصالحة عدد قليل من السياسيين ، وقوة المصالحة تكمن فى أندماج كلا المصالحتين ، بمعنى تحول المصالحة السياسية الى مصالحة الشعب ،لقد عانى هذا الشعب من مظاهر ألأنقسام على مستوى ألأسرة والعائلة الواحده ، وحتى على مستوى المصاهرة ألأجتماعية ، والعلاقات ألأسرية ، وعلى مستوى منظومة القيم والسلوكيات والتعامل الفردى ، الذى حولنا جميعا ألى أفراد وليس مواطنيين ، وسلب منا ألأنتماء والولاء ، وجعل الجميع يفكر فى الهجرة وترك ألأرض وألأهل ، وهذا فى حد ذاته جريمة وطنية ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى ، لأن تحرير فلسطين يتم ببقاء أبنائها والمحافظة على أرضهم ، بل وبتشجيع من خرج ومن يعيش فى الخارج للعودة والبناء ، وعليه فهذه المصالحة هدفها ألأكبر ليس مصالحة سياسية فقط بل مصالحة من أجل أعادة البناء والتعمير وألأستثمار ، وأعادة ترشيد لكل عناصر القوة وأذا ما نجحنا فى ذلك نكون قادرين على التحدى وألأستمرارية ، هى مصالحة من أجل بناء نظام سياسى ديموقراطى حقيقى ، وأعادة بناء بل وأسترجاع منظومة القيم الحقيقة لها الشعب ، وهذه مسألةليست سهلة وتحاج الى وقت وجهد ، ورؤية ونوايا صادقه ،.

ولعلى هنا اشير الى بعض مظاهر المصالحة المجتمعية ، وأبدأها أولا بالمصالحة على مستوى المجلس التشريعى ، ويفترض أن نواب هذا المجلس هم نواب الشعب ، ولذلك السؤال هل هم قادرون على التصالح مع أنفسهم ، فى الفترة المتبقية ، وأن يرسخوا ويقدموا نموذجا حقيقيا لهذه المصالحة ؟ وهل يمكن أن نتصور عودة أعضاء المجلس ألى مقارهم وممارسة عملهم النيابى بما يخدم نوابهم وبما يمهد لأنتخابات قادمه ؟ واذا ما نجح المجلس فسيقدم نموذجا وصوره صادقه للمصالحة . ومن المظاهر ألأخرى أعادة النظر فى دور وسائل التنشئة بكل أشكالها التعليم ، والمساجد ، والقنوات الفضائية التى لعبت دورا تسميميا كبيرا ، ان نعيد لهذه ألأدوات دورها بخطاب اعلامى وسياسي تحكمه منظومة قيم واحده . ومن المظاهر ألأخرى عودة مظاهر المصاهرة ألأجتماعية بين ألأسر والعائلات الفلسطينية حتى تقوى الوشائج والروابط ألأجتماعية . ومن المظاهر المهمة عودة الحياة المدنية ودور مؤسسات المجتمع المدنى ، وكل هذا من شأنه أن يوسع من مجال الحرية الفردية التى تحكمها حرية المجتمع ، وتشجيع سيادة القانون التى تحمى حياة الفرد ولا ننسى أن المجتمع الفلسطينيى مجتمع يلعب الدين فيه دورا هاما ، ، فهو مجتمع يعرف كيف يحافظ على دينه وقيمه ، وخصوصا انه مجتمع منفتح على كل الثقافات ألأخرى وهذا يعطيه قوة دفع ذاتيه تسمح له بالبقاء والقدرة على التحدى . وحدود هذه المصالحة لا تنتهى عند الحدود السياسية والمجتمعية والقيمية ، بل أنها سوف تنعكس أيجابا على الوضع ألأقتصادى ، وعودة ألأستثمار ألفلسطينى ، وبدلا من هروب هذا ألأستثمار بسبب ألأنقسام سيعود الى أرض الوطن لبينى ويعمر ، مما يتيح الفرصة الكبيرة لأستيعاب الشباب الذى يبحث عن عمل وهجرة ألى الخارج . هذا هو المعنى الحقيقى والواسع للمصالحة الفلسطينية هى مصلحة من أجل البناء والتحرير وألأستقلال وأنهاء ألأحتلال، فخيار ألأنقسام لن ولن يحقق اى من هذه ألأهداف المجتمعية والوطنية .

دكتور ناجى صادق شراب /

drnagish@gmail.com