خبر : التدخلات الخارجية وليس الاختلافات البرامجية سبب الانقسام ...بقلم: حسين حجازي

السبت 31 مايو 2014 12:00 م / بتوقيت القدس +2GMT



عندما يعلن الرئيس أبو مازن اليوم أو غداً عن أسماء وزراء حكومته، حكومتنا التوافقية الجديدة ويؤدي هؤلاء الوزراء المبجلون يمين القسم أمامه، بعد أن ينادي على كل وزير باسمه. فسوف نعرف بعد ذلك أنه وقد أصبحنا نقاد بحكومة وليس بحكومتين وبرأس واحدة وليس برأسين، أن صفحة الانقسام قد طويت وأصبحت وراءنا، وحينما يعود الرجل وأعضاء حكومته لا من المنفى وإنما من رام الله الى غزة، في مثل هذه الأيام من شهر حزيران كما هو متوقع، فقد تكون المصادفة والأقدار وحدها هي التي حددت هذا التوقيت الذي يستمد من هذا التزامن دلالته الرمزية، في انتهاء الانقسام رحلة النزول او الهبوط على درجات السلم السبع المؤدية الى الجحيم، كما في الأساطير القديمة. ولنبدأ من حزيران الثاني رحلة صعودنا.
ماذا تعلمت "فتح" و"حماس" طرفا الانقسام وماذا تعلمنا نحن معهما وماذا تعلم الشعب الفلسطيني وعلم نفسه؟ وارى ان هذا هو سؤال واجب الوقت. اليوم وقد أصبح الانقسام وراءنا هل سنقيم أسس وقواعد وحدتنا على أرضية صلبة؟ والذي يعني ان يكون ما قد رأيناه او تعلمناه هو الخطأ الكبير الوحيد والقاتل، والذي تمثل بضعف تبصرنا حينما سمحنا لأنفسنا بفتح هذه الثغرة على مصراعيها، والتي سوف يتسلل أعداؤنا منها وكل أفاق مغامر للانقضاض على تجربتنا الديمقراطية الوليدة داخل الوطن، وهي لا تزال في مهدها. وتوجيه ضربة قاصمة ومميتة لوحدتنا الوطنية في اشد لحظات الاختبار لصمودها او مناعتها، وهذه الثغرة ليست سوى الإخلال بقواعد اللعبة الديمقراطية التي ارتضيناها، والانتقاص من مفهوم الشراكة او التوافقية في قيادة العمل الوطني.
واليوم دعونا نتوقف او نتأمل في حقيقة ان الكلمة الوحيدة والمهمة التي يكررها إسماعيل هنية في خطاباته الوداعية، من ان "حماس" تخرج هذه المرة طواعية من الحكومة في تبادل او تغير في الأدوار التاريخية، عما كان عليه الوضع العام 2006، ولكنها لا تخرج من الحكم هذه المرة. وأرى ان هذه هي الرسالة أو الإشارة التي يبعث بها الرجل أولا الى حركته لطمأنتها، وثانياً إلى "فتح" بشأن المستقبل. وحيث يبدو من الواضح الآن ان استقرار المصالحة او الشراكة والوحدة، إنما يعتمد أساسا على هذا الحفاظ من التوافق الخلاق، ولكن الذي يمليه الواقع بأن يظل هذا التوازن قائما بين طرفي معادلة الحكم والحكومة، وهو ما اقتضى احتفاظ كل طرف بسلطته العميقة اي الأجهزة الأمنية على حالها في الضفة لـ "فتح" ولـ "حماس" في غزة، وهو إجراء أرى انه كان حكيما وصائبا.
ولكني لا أظن أن هذا التوازن في امتلاك السلطة العميقة على الأرض وفق هذا التقاسم الجغرافي، يمكنه ان يشكل ضمانة أو حلا على المستوى الاستراتيجي او البعد الزمني، للحؤول في المستقبل دون تكرار ما حدث في غزة العام 2007، طالما لم يصر الى إغلاق مصدر التهديد الرئيسي للوحدة والشراكة الفلسطينية، وهي التدخلات الإقليمية المؤثرة في الساحة الفلسطينية، او ما يمكن تسميته بالعامل الخارجي.
ولننظر الى هذه المسألة هنا ببعض من التوضيح وذلك استنادا الى الخبرة التاريخية وفيما يلي دلالة ذلك ببعض التفصيل :
1- إن الانقسامات الفلسطينية التي حدثت في الماضي كما الانقسام الأخير بين "فتح" و"حماس"، لم تكن وليدة أو نتاج الاختلاف او التناقضات حول البرامج او الأهداف السياسية، بين ما سمي باليمين واليسار في عقد السبعينات، ولا حتى الانقسام داخل "فتح" بعيد الخروج من بيروت، الذي قصم ظهر الحركة الوطنية الفلسطينية، واتخذ له مطلبا أو شعاراً "إصلاح الفساد". وإنما كان هذا الانشقاق وبما في ذلك الانقسام الأخير بين "فتح" و"حماس"، يضرب على مفصل الاستعداد او الرغبة التي أظهرتها قوة إقليمية للتحالف أو استخدام طرف فلسطيني، لشق الساحة الفلسطينية.
إن صدام حسين وحافظ الأسد الزعيمين الطامحين لسد الفراغ الذي تركه عبد الناصر، بتصدر مركز قيادة العمل العربي الفارغ، هما اللذان سوف يلعبان على مدى عقد السبعينات وحتى الثمانينات، هذه الأدوار المتبادلة في دعم الانشقاقات والانقسامات في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية. في ذروة الصراع الإقليمي على ما سمي بالورقة الفلسطينية. وفي الحالة الأخيرة فإن ما حدث العام 2007، ما كان لنا ان نعزله عن محاولة الرئيس المصري حسني مبارك إسقاط السجال الداخلي بين نظامه والإخوان المسلمين، على الحالة الفلسطينية في غزة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات.
2- لا تصدقوا أن الخلاف البرامجي بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية في الماضي كان من شأنه أن يخل بالقواسم المشتركة التي تجمع الفلسطينيين، أو أن يؤدي ذلك إلى الاحتراب الأهلي وهو ما لم يحدث. ذهب جورج حبش إلى بغداد ونقل مقر قيادته مؤقتا الى هناك، ولكن عرفات و"فتح" الذي كان يملك القوة الوازنة كما الحكم لم يفكر في تصفية جبهة الرفض، التي تعارض وترفض برنامجه وخطته السياسية. لقد وقع الاقتتال الفعلي العام 1983 في سهل البقاع ومدينة طرابلس، حينما رأى الرئيس السوري حافظ الأسد وقد خرج عرفات من حصنه القوي في بيروت، انها اللحظة المواتية للسيطرة على القرار الوطني المستقل الذي كان يمثله عرفات. وليس لأن الرئيس السوري لم يكن يعرف أن ينام بسبب فساد "فتح" والمنظمة او خلافه مع عرفات على مبدأ التسوية السياسية.
3- فكروا إذن لماذا قفزت "حماس" و"فتح" عزام الأحمد وإسماعيل هنية برشاقة سياسية، أو حتى بخفة وسرعة مدهشة، عن الخلافات البرامجية، ما استدعى أن يبدي رمضان شلح المذهول استغرابه، ويرى في الأمر ريبة، وهي دهشة يجب أن نبدي نحن هنا دهشتنا واستغرابنا ان تصدر عن قيادي بوزن السيد رمضان شلح، لأن المسألة بسيطة أن التعددية الفلسطينية والاختلاف البرامجي وحتى الأيدولوجي، وهو الحالة الطبيعية لم يكن هو المشكلة. هذه المشكلة التي يمكن ان تؤدي إلى الانقسام بعد إنجاز التحرر وإقامة الدولة، كما لاحظ المستشرق الفرنسي جاك بيرك، أما الآن فعلام يتقاتلون؟ يقول خالد مشعل اذهب يا أبو مازن وفاوض ولنرَ، وفي قرارة أعماقه يدرك أبو مازن أن غزة المحررة إنما هي منصة الإطلاق الموازية والبديلة في الفترة القادمة ولا يمكنه الاستغناء عن غزة حتى في مناورته التفاوضية. وهكذا صوب غزة دُر.
وإذن، هذه هي اللحظة التي نقف عندها، ان الخوف على المصالحة لا يأتي من اختلافاتنا السياسية، ولكن من الاستعداد الذي قد يبديه أي منا للعب مع أطراف خارجية للتدخل في الشأن الفلسطيني، حيث لا زلنا في ذروة التحولات العاصفة في إطار البيئة الإقليمية المحيطة وحتى الدولية، ما يعني اكثر من أي وقت الحفاظ على الرأس، اي الوحدة الوطنية الجامعة بينما العرب من حولنا منقسمون.
4- ولا أظن اليوم كما في الأمس الماضي ان الخوف او الخشية من أخطاء يمكن ان تتركها الحركتان الكبيرتان، اذ بالمجمل قل ان يصدر عن مثل هذه الحركات نزوع نحو المغامرة او الطيش السياسي، على طريقة الرقص مع الذئاب. إنها حركات تمتلك عصمتها من قوة اعتبارها لذاتها، ولذا فإن الخشية أو الخوف هو حينما يسهل تحقيق هذا الخرق الذي تحدث عنه مكيافلي، عن طريق شراء بعض الأمراء أو النبلاء أو المجموعات الأقل حجما أو الصغيرة.
وإذ ستظل إسرائيل على رأس الأطراف التي لن تمل من محاولة شق وتفكيك وحدة الفلسطينيين، فإن الانقسام العربي والإقليمي الى عدة معسكرات متصارعة سوف يظل يطرح تهديدا مباشراً في المدى المنظور والمستقبل، لإحداث مثل هذه التفككات سواء بهدف تحقيق الكسب السياسي الآني في إطار هذه الصراعات بين المعسكرات المتنافسة. أو كإسقاط للصراعات الداخلية وربما طموحات بعض هذه الأطراف لعب دور إقليمي يملأ فراغاً في دور القيادة، لشراء تحالفات دولية، في منطقة تعصف بها الأزمات، ولا يمكن للقضية أو الوضع الفلسطيني أن يكون بمنأى عن هذه المغامرات.