خبر : مقارنة بين انتخابات رئاستين ...بقلم: محمد ياغي

الجمعة 30 مايو 2014 09:27 ص / بتوقيت القدس +2GMT



من على حدود أوكرانيا الشمالية بالقرب من بيلاروسيا، قُمت بمراقبة الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، يوم الأحد الماضي.. يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، كان يجري في أكبر بلد عربي انتخابات شبيهة تابعتها من خلال الإعلام المصري والعديد من مواقع التواصل الاجتماعي.

أوكرانيا، ليست بلداً متقدماً صناعياً ولا توجد فيها ديمقراطية راسخة. مشاكلها الأكبر هي الفقر والفساد. خلال العقد الأخير حدثت فيها ثورتان، ثورة سُميت بالبرتقالية العام 2004 احتجاجاً على قيام الرئيس بحل البرلمان، وأخرى قبل أشهر احتجاجاً على القوانين التي اصدرها الرئيس يانكوفيتش والتي تمنع حرية التعبير عن الرأي وكان من نتائجها احتجاجات واسعة ومقتل العشرات.
مصر تختلف كثيراً عن أوكرانيا، عدد سكانها أكبر بمرتين ونصف، نسبة الأمية فيها أعلى، دور الجيش في الحياة السياسية فيها قديم منذ ثورة تموز، دور الأحزاب السياسية فيها ضعيف، لكنها تتشابه مع أوكرانيا في مسألتي الفقر والفساد، وإن كانت صورة الفقر في مصر أكبر وأوسع بكثير.
في تشيرنيغف، بدأنا المراقبة ثلاثة أيام قبل اليوم الانتخابي، سألنا الناس وممثلي الأحزاب ومندوبي المرشحين إن كان لديهم اعتراضات على الإجراءات الانتخابية، سألنا عن أعداد المسجلين في القوائم الانتخابية، عن الأسماء التي حذفت أو أضيفت وعن أعداد أوراق الاقتراع التي تم استلامها.. حصلنا على صور من بروتوكولات استلام أوراق الاقتراع وأعدادها، شاهدنا بناء غرف الاقتراع، قابلنا أعضاء لجان الفرز واستمعنا لملاحظاتهم، صورنا صناديق أوراق الاقتراع وهي مقفلة، مختومة، وفي حراسة الشرطة.
يوم الانتخابات تواجدنا في إحدى اللجان منذ الساعة السابعة صباحاً، راقبنا عملية فتح الصناديق، قمنا بتوثيق عددها ومقارنتها مع الأعداد الموجودة على البروتوكولات التي حصلنا عليها مسبقاً، فتحت الأبواب للناس للاقتراع الساعة الثامنة صباحاً، وأغلقت الأبواب أمامنا الساعة الثامنة مساء. تم الفرز وكتابة المحضر وتوقيعه من قبل أعضاء اللجنة بحضورنا. أخذنا صورة من محضر الفرز. الأوراق أعيدت الى مغلفات تم إغلاقها وختمها ووضعها في صندوق تم نقله بحماية الشرطة وبمراقبتنا المستمرة الى دائرة الانتخابات المركزية التي يتبع لها مركز الاقتراع، راقبنا عملية إدخال الأعداد لهذا الصندوق وقارناها بالمحضر الذي استلمناه في اللجنة. المئات من الصحافيين، مندوبي المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني، ومندوبي الأحزاب كانوا حاضرين.
الانتخابات كانت نزيهة، شفافة، ومن الصعب إيجاد خطأ إجرائي واحد يشكك في صدقيتها وصدقية نتائجها، لم يمدد أو يقترح تمديد الانتخابات أحد، لم تكن هنالك دعاية فترة الصمت الانتخابي، لم يحرض الإعلام أحداً على النزول لانتخاب مرشح معين أو حتى للتصويت، ولم يهدد الإعلام أحداً بغرامات مالية أو قطع للأرزاق، أو التخويف لتخلفه عن الانتخاب. الإعلام صمت احتراماً لفترة الصمت الانتخابي.
في مصر، حدثت ثورتان وانقلاب في ثلاث سنوات، ثورة أطاحت بنظام مبارك، وثورة من أجل فرض انتخابات مبكرة على رئيس هادن بقايا النظام القديم، معتقداً بذلك بأنه يحمي نفسه منه أو يشتريه الى صفوفه، وانقلاب بعد الثورة بذريعة فرض مطالب الشعب على رئيس منتخب.
لم أكن في مصر لمراقبة سير العملية الانتخابية، لكن بيان حملة حمدين صباحي ومتابعة الإعلام المصري تعطي صورة كافية عن حالة التهريج التي جرت تحت مسمى انتخابات رئاسية، ما الذي تقوله بيانات حملة حمدين صباحي؟.
اعتداء على مندوبي الحملة، منعهم من التواجد في بعض اللجان، تعرض بعضهم للاعتقال وآخرون للإهانة، وإعلام مصروع سعى لتتويج إمبراطور وليس رئيس. يقول محمد نصار (مندوب عن حملة حمدين صباحي في إحدى اللجان) في شهادته عمّا حدث معه يوم الثلاثاء الماضي: دخلت إحدى اللجان الفرعية ووجدت أحد مناديب "حملة المرشح المنافس" يرتدي تي شرت عليه صورة "المرشح الذي يدعمه"، طلبت من القاضي أن يحرر محضراً بتلك الواقعة، لكنه نادى على مقدم في جيش وقال له: أخرجه "بره" وقال لي لو شفتك "تانى هحبسك". نصار يكمل شهادته بأنه تعرض للضرب عندما ذهب لتحرير محضر بالمخالفة.
لكن الأسوأ ليس ما تعرض له مندوبو حملة حمدين صباحي ولكن الإعلام الذي حشد كل إمكانياته لدفع الناخبين لانتخاب مرشح بعينه بدأ من إحضار نجوم الفن والطرب وشيوخ حزب النور والقضاة لحشد الناس للتصويت لذلك المرشح، إلى مطالبة رئيس الوزراء بإعلان الثلاثاء يوم إجازة الى مطالبة أصحاب العمل بالضغط على موظفيهم للذهاب إلى الانتخابات الى تهديد المقاطعين بفرض غرامات مالية عليهم وحبسهم، إلى تمديد الانتخابات ليوم ثالث، الى إحضار نسوة يبكين على الهواء لاستدرار عطف الناس للتوجه للانتخابات.
احتار الإعلام في موقف الشعب المصري من الانتخابات وبدلاً من أن يحاول أن يفهم أسباب المقاطعة قام بنعت المقاطعين بأبشع الصفات والتحريض عليهم وشتمهم، ولم يكن يعنيه في كل ذلك "العملية الديمقراطية" بل تثبيت مقولة إن ما جرى يوم 3 تموز له غطاء شعبي عريض أو إجماع كاسح لا يرقى إليه أدنى شك.
انتخابات أوكرانيا لن تحل القضايا المتعلقة بالصراع مع روسيا ولن تقضي على الفساد، حتى الفائز في الانتخابات، بورشينكو، كان أصلاً وزيراً في النظام القديم، ومنافسته تيماشينكو كانت في السجن بسبب قضايا مرتبطة بالفساد، لكن العملية الانتخابية كانت نزيهة ولم يشكك بها أحد داخل أوكرانيا وهي خطوة على طريق الاستقرار، حتى روسيا عندما شككت بها اختارت كلماتها بعناية، قائلة، إن العملية الانتخابية لم تشمل جميع الأوكرانيين وإنها ترغب بالحوار مع من انتخبهم شعب أوكرانيا.
انتخابات مصر بدلاً من أن تكون خطوة على طريق استعادة الاستقرار ووحدة الشعب المصري، هي خطوة ستكرس من الانقسام لافتقادها لمعايير النزاهة.