خبر : عندما تحاول إسرائيل تجاوز الحاجز الفلسطيني ...بقلم: رجب أبو سرية

الجمعة 30 مايو 2014 09:20 ص / بتوقيت القدس +2GMT
عندما تحاول إسرائيل تجاوز الحاجز الفلسطيني ...بقلم: رجب أبو سرية



رغم أن كلا الرجلين لم يعد يتبوأ منصباً رسمياً، إلا أن لقاءهما في بروكسل، ضمن مناظرة سياسية، لم يكن أمراً عادياً أو عابراً، على الأقل بالنسبة للمضيف البلجيكي، الذي أعد ورتب ونظم اللقاء بين كل من الأمير السعودي تركي الفيصل، رئيس جهاز المخابرات السابق، والجنرال المتقاعد الإسرائيلي عاموس يدلين، مدير مركز الأبحاث الأمني في إسرائيل، الذي لم يفوت الفرصة، وسارع على الفور لدعوة الأمير السعودي لزيارة القدس والذهاب الى الكنيست حتى يكون "سفيراً" للسلام، ويخاطب الإسرائيليين مباشرة، وأكثر من ذلك أعرب عن استعداد بنيامين نتنياهو لزيارة مكة !

بهذا الشكل يفكر الإسرائيليون، وهكذا يمنون النفس في "تطبيع" سياسي مع العرب، عبر القفز عن الحاجز الفلسطيني، الذي يوجب عليهم دفع استحقاق السلام، وهو الانسحاب من الأرض الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967، وهذا هو جوهر المبادرة العربية، التي لم يقبلها الإسرائيليون رغم مرور اكثر من اثني عشر عاماً عليها، والتي كانت بالمناسبة مبادرة سعودية بالأصل، بما يشير الى حجم ومكانة المملكة العربية السعودية بين العرب وعلى مستوى المنطقة عموماً.
وما زال الإسرائيليون شغوفين بنموذج السادات، الرئيس المصري الراحل، الذي حاول أن يوظف "الأكشن" حين توصل إلى قناعة بأن جزءاً كبيراً من مشكلة الشرق الأوسط ناجم عن جدار الخوف وعدم الثقة، وأن الإسرائيليين مسكونون بعقدة المحرقة والاضطهاد، وعدم الثقة بالآخر، فأراد أن يبدد هذا الخوف، لكن النتيجة كانت وبالاً، سرعان ما أدركه هو شخصياً، بعد ذلك بأيام قليلة، والأهم أنه رغم مكانة مصر بين العرب، ورغم مرور أكثر من خمسة وثلاثين عاماً على كامب ديفيد، إلا أن السلام _ أولاً _ ظل محصوراً بين مصر وإسرائيل، أي لم تفتح مبادرة السادات أبواب السلام في المنطقة، بل على العكس فتحت بوابة حرب عام 1982، حيث احتلت إسرائيل لأول مرة في الصراع في المنطقة عاصمة عربية، هي بيروت _ وثانياً _ أن السلام بين مصر وإسرائيل ظل، رسمياً وعلى الورق، ولم ينجم عنه سلام حقيقي بين الدولتين والشعبين !
في الوقت الذي انغلقت فيه بوابة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي الوقت الذي بدأت فيه أطراف عديدة تتحرك أو تفكر في "بديل" تفاوضي، حيث يمكن النظر لزيارة البابا ضمن إطار الدفع بثقل أطراف "حوار الأديان" والقوى الروحية والدينة، للدخول على الخط، منعا أو احتواء لتدهور الأمور وتصعيد الموقف على الأرض، او حتى انفجاره، كذلك بدء الاهتمام الجدي الروسي، وعدم تسارع الولايات المتحدة لإغلاق الأبواب في وجه موسكو، يسير في نفس الاتجاه، فقبل أيام فقط حذرت موسكو من الخطوات أحادية الجانب، رداً على إعلان نتنياهو بأن الرأي العام الإسرائيلي بات مقتنعاً باتخاذ خطوات أحادية في الضفة الغربية، نزولا عند اقتراح بينيت ضم المستوطنات، والانسحاب من طرف واحد، أي إقدام إسرائيل على تحديد خطوط الفصل بينها وبين الجانب الفلسطيني في الضفة الغربية، وعملياً فرض مقترح الدولة بالحدود المؤقتة.
وبعد أن حاول نتنياهو، الذي من الواضح أنه كان يخطط للحظة ما بعد توقف عجلة المفاوضات الثنائية، لفرض الحقائق الاحتلالية على الأرض، وفرض الموقف والسياسة الإسرائيلية من طرف واحد، فهو لم يدع مجالا لنجاح العملية التفاوضية، وكان يخطط لأحد أمرين : إما ان يفرض على الجانب الفلسطيني الاستمرار في رفع لافتة مفاوضات غير موجودة، أو استثمار حالة الإحباط وعدم الاهتمام التي ستصيب خاصة الجانب الأميركي، وابتعاده عن المنطقة، وربما أيضا استثمار ما يمكن ان يقدم عليه الجانب الفلسطيني من رد فعل، لإعلان ضم المستوطنات، كما سبق وان فعلت إسرائيل بإعلانها ضم الجولان والقدس، ومن ثم إعلان انسحاب جزئي من الضفة الغربية، لتفرض على الجانب الفلسطيني استلام نصف الضفة الغربية أو أقل من النصف، اي مساحة غير قابلة لإقامة دولة قابلة للحياة، ولا يكون أمامها من حل سوى تقديمها، طوعا، للأردن لضمها، والعودة بذلك لفكرة الحل الإقليمي، ولكن بصورة أسوأ مما كان عليه الحال قبل عام 1967، لأن إسرائيل لن تعيد للأردن كامل الضفة الغربية، بل نصفها!
بعد أن حاول نتنياهو الذهاب بهذا الاتجاه، فوجئ بحالة الانضباط الفلسطينية، وعدم وجود ائتلاف حكومي متوحد على موقف بينيت، لذا فإنه حين هدد تسيفي ليفني بالإقالة، واجه تحدياً داخلياً، ربما يواجهه لأول مرة منذ تشكيل الحكومة الحالية، وإذا ما أضفنا _ التسربيات المقصودة _ من الجانب الأميركي للرأي العام الإسرائيلي، عبر الصحافة الإسرائيلية بأن نتنياهو هو من أفشل المفاوضات، فإنه يمكن القول، ومع نجاح الفلسطينيين أخيرا بتحقيق إنهاء الانقسام، وفق ما أراد أبو مازن وليس وفق ما سعت إليه "حماس"، اي بما يقوي الرئيس الفلسطيني وليس بما يضعفه، فإنه يمكن القول، إن الفلسطينيين باتوا جاهزين لفصل جديد من المواجهة السياسية مع إسرائيل، وليس هناك من حاجة لاجتياز الحواجز وصولا الى مكة، فحتى السعودية، رغم انهيار حوائط الصد العربية، تباعاً من حولها، إلا أنها ليست مصر السبعينيات التي كانت تواجه مشاكل الفقر والبطالة، ما دفع السادات لاستثمار مكانته لدى المصريين بعد حرب أكتوبر للقفز في الهواء، وتحرير سيناء، ولكن على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، حيث ساعد خروج مصر من دائرة الصراع، إسرائيل للاستمرار في الاحتفاظ بالجولان والضفة الغربية وغزة، حتى الآن.

Rajab22@hotmail.com