رغم الطابع والتأكيد الرسمي على أن زيارة بابا الفاتيكان، الحبر الرسولي الأعظم للأراضي المقدسة، إنما هي حجيج ديني، إلا أن مكانة البابا الدينية من جهة، وكونه رئيس دولة الفاتيكان من جهة ثانية، تضفي على الزيارة أهمية بالغة، نظرا لدلالاتها المختلفة، ومنها السياسية بالطبع، ونظرا أيضا ـ وربما كانت هذه مجرد صدفة، حيث انه عادة ما يتم الترتيب لتحركات البابا الخارجية منذ وقت ـ للحظة التي جاءت فيها الزيارة، نقصد بعد توقف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
زيارة البابا التي جرت أول من أمس، هي الأولى له منذ أن جلس على الكرسي الرسولي، وهي الرابعة لبابا الفاتيكان للأراضي المقدسة في الشرق الأوسط، في العصر الحديث، الأمر الذي يعني أنها ليست مجرد زيارة عابرة، أو معتادة، وحيث إنها ألقت بإشارات مختلفة، فلا بد من التقاطها، في محاولة لقراءة التحركات الدولية بشأن هذه المنطقة، وفي هذه اللحظة.
أعلن الفاتيكان بوضوح أن هذه الزيارة تأتي في سياق الترويج لرؤية البابا فرنسيس بشأن الحوار بين الأديان كقاطرة للسلام في المنطقة، وحيث إن الملف السياسي يشهد توترا، ومحاولة ـ ربما كانت جدية ـ للتوصل إلى حل، فإن من شأن رجال الدين، أن يفكروا بضرورة ان يضمن أي حل حرية ممارسة الطقوس الدينية لأتباع الرسالات الثلاث، ولذا وتأكيدا لهذه الإشارة، أصطحب الحبر الأعظم معه حاخاما يهوديا، هو أبراهام سكوركا، وإماما مسلما هو الشيخ عمر عبود، إضافة إلى كاردينال الطائفة المارونية في لبنان بشارة الراعي، الذي كان قد أبلغ رئيس الجمهورية اللبنانية بهذه الزيارة، حتى لا يؤخذ عليه أنه قام "بالتطبيع"!.
كذلك تضمن برنامج زيارة البابا مصطلح زيارة دولة فلسطين، حيث تضمنت الزيارة كلا من الأردن وفلسطين وإسرائيل، وهذا تأكيد للموقف السياسي للفاتيكان المؤيد لحل الدولتين، والذي كان قد صوت العام 2012 مع منح دولة فلسطين عضوية الدولة المراقب في الأمم المتحدة، ما أثار حفيظة إسرائيل، وأصاب مسؤوليها بالغضب والإعلان عن عدم الارتياح، لتعامل الفاتيكان مع الحالة الفلسطينية كدولة!.
لقد اعتاد بعض قادة الدول الذين يزورون المنطقة، زيارة عواصم الدول، وزيارة إسرائيل أولا، ومن ثم "يعرجون" على رام الله، عملا بكون الحالة الفلسطينية، حالة حكم ذاتي، إلا أن البابا، أولا بإشارة صريحة إلى مصطلح دولة فلسطين ضمن البرنامج الرسمي، أصر على أن يكون خط سيره، من عمان إلى رام الله، ومن ثم إلى إسرائيل، أي عدم الدخول لرام الله من البوابة أو الأجواء الإسرائيلية، ليؤكد اعترافه وتعامله مع فلسطين كدولة.
وفي الحقيقة، فإن زيارة بيت لحم، المكان المقدس للمسيحيين، الذين يمثلهم روحيا البابا، ويشكلون نحو 1,2 مليار إنسان في العالم، وهي مدينة فلسطينية لا خلاف عليها، بما يمكن أن يسهل هذه الرؤية للفاتيكان، لكن تضمين زيارة البابا زيارة القدس، وهي المدينة التي يدور حولها الصراع، هي الإشارة إلى أهمية تعميق حوار الأديان، عند البحث السياسي عن حل للقدس.
تتابعت الإشارات البابوية التي شملتها هذه الزيارة المباركة، ومن تلك الإشارات، دخول الحبر الأعظم الأراضي المقدسة من الجانب الأردني، في محاولة لتأكيد تعميد السيد المسيح في ذلك الجانب من النهر، ولهذا أبعاد مهمة على السياحة الدينية، حيث إن إسرائيل، بتزويرها للحقائق، وبغرض تحقيق مكاسب سياحية، "تدير النار إلى قرصها"، بما يجلب لها أكثر من ثلاثة مليار دولار سنويا من سياحة الحجيج المسيحي، وهذا دون بيت لحم، ومع الوضع المعقد والشائك للقدس، وفي ظل حالة التوتر القائمة.
يمكننا، إذاً، أن نتخيل ما سيكون عليه الواقع، في حال التوصل إلى حل من شأنه أن يحقق السلام في المنطقة، ويمكننا أن نقول حين ذلك، دون أدنى مبالغة، إن هذه المنطقة، التي تشمل بيت لحم والقدس، ستكون قبلة حجيج مسيحي/ إسلامي/ يهودي، لا مثيل لها، وان مليارات عديدة ستنجم عن هذا الحجيج، بما يفسر أحد أوجه وأسباب الصراع على القدس بالتحديد، وإذا كان المال الناجم عن السياحة الدينية، ليس حاسما بالنسبة لدولة إسرائيل الغنية والمتوقع أن تزيد غنى بعد إنتاج الغاز، فإنه اكثر أهمية بما لا يقاس بالنسبة لدولة فلسطين الناشئة، وحتى لدولة فقيرة كالأردن، ولذا يمكننا أن نقول بان إسرائيل تصر على رفض الخروج من القدس الشرقية، لأنها لا تريد إقامة دولة فلسطينية حقيقية، مستقلة، قادرة على الوقوف على قدميها، ويمكنها أن تعتمد على ذاتها، في كل نواحي الحياة، بما في ذلك الجانب الافتصادي.
Rajab22@hotmail.com


