خبر : الغاز الروسي يتمدد شرقاً ... بقلم: هاني عوكل

الجمعة 23 مايو 2014 09:20 ص / بتوقيت القدس +2GMT



ليس من السهل أبداً إدارة الظهر أو تجنب الحديث عن أكبر صفقة للغاز في التاريخ، بين روسيا والصين التي شهدت توقيع اتفاق لتوريد الغاز الروسي بقيمة 400 مليار دولار، بعد خلاف طويل بين البلدين حول سعر الغاز الطبيعي. فلماذا هذه الصفقة الضخمة في هذا التوقيت؟
هذه الصفقة المهمة جداً والتاريخية، تنطوي على أبعاد ودلالات مختلفة، لعل أولها عمق العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والصين، ليس في البعد الاقتصادي فحسب، وإنما في مختلف الجوانب، أما البعد الثاني فيتصل بتوقيت الإفصاح عن هذه الصفقة.
لقد أنتجت الأزمة الأوكرانية تداعيات كثيرة على العالم وبالخصوص منها أوروبا الشرقية والغربية، وفي ظل التلويحات والتهديدات الأميركية والأوروبية بإجراءات عقابية تستهدف روسيا، وتوسيع هذه الإجراءات إلى الجانب الاقتصادي، يمكن القول إن صفقة روسيا- الصين شكلت عامل قوة يحسب للنفوذ الروسي في المنطقة.
قبل الأزمة الأوكرانية، لم تتمكن كييف من حسم هويتها، بسبب النزاع الروسي والأوروبي عليها، وفي حين كان يمكن لأوكرانيا البقاء على الحياد السياسي والاستفادة من الدول الملاصقة لها، ومن ضمن ذلك الحصول على الدعم الروسي وكذلك الأوروبي، واجه الرئيس المخلوع يانوكوفيتش خيارين أحلاهما مر، إما التوجه نحو موسكو أو الاستدارة والذهاب إلى حضن الاتحاد الأوروبي.
يانوكوفيتش لم يتمكن من إيجاد معادلة توفق بين الشرق الروسي والغرب الأوروبي إلا متأخراً، الأمر الذي دفع ثمنه بخلعه عن قيادة البلاد، وانفجار الأزمة الأوكرانية واستفحال الصدامات بين الشرق الأوكراني المحسوب على روسيا، والغرب المحسوب على أوروبا الغربية.
هذا الانفجار أدى إلى الآتي: اعتبار شبه جزيرة القرم روسية وحسم هويتها، وتصاعد الاحتجاجات والمواجهات بين القوات الأوكرانية وبين الانفصاليين في الشرق الأوكراني، حيث استقلال بعض المقاطعات ومطالبة أخرى بالتوجه نحو روسيا.
الأمر الأخطر من ذلك يتصل بحالة التسخين التي تشهدها القارة الأوروبية، وانعكاس الملف الأوكراني على الدول المحاذية له، ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية طبقت عقوبات على روسيا، ضمن رزمة من العقوبات الأخرى التي تلوح بها، وكذلك الحال دول الاتحاد الأوروبي.
حتى أن الولايات المتحدة تحاول إقناع أوروبا وتستعجلها فك الارتباط الاقتصادي التدريجي مع روسيا، والتوجه إلى أسواق أخرى، من ضمنها السوق الأميركي الذي قد يستهدف في المستقبل تعويض أوروبا عن الغاز الذي تعتمد كثيراً في استيرادها عليه من روسيا.
ويبدو أن توقيت الصفقة يخدم ويعزز من قوة روسيا، التي راهنت الولايات المتحدة على أن فرض عقوبات عليها سيلوي ذراغ موسكو التي تتعامل مع الغرب بندية، وتعتقد أن طأطأة الرأس أو الانحناءة أمامه سيعني انكسارها وعودتها إلى القوة والدولة الخاملة.
قبل الاتفاق الروسي- الصيني، لوحت موسكو بورقة وقف تصدير الغاز إلى أوروبا الغربية التي تستورد ربع احتياجاتها منه، ولا يفكر الروس بهذا الخيار إلا إذا زادت الأوضاع حديةً وتمأزقاً، لكن ما يحقق أفضلية لروسيا على هذا الصعيد، أنه يمكنها الاستدارة إلى دول أخرى وتزويدها بالغاز، سواء بأسعار تفضيلية أو بالسداد المتقطع.
الصفقة التي نتحدث عنها، جاءت نتاج علاقات قوية ومتماسكة بين روسيا والصين، ذلك أن زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى بكين ولقاءه بنظيره شي جين بينغ، تؤكد رغبة موسكو في تمكين حلفها مع الصين والفحص في تنويع خياراتها السياسية والاقتصادية في ضوء مستجدات الملف الأوكراني.
وإذا كان الملف الأوكراني يشهد حالة من التصعيد، خصوصاً بعد إعلان إجراء الانتخابات الرئاسية الأحد المقبل، ورفض المقاطعات الشرقية قيامها على أراضيها، إلى جانب التصعيد الدولي واستنفار الأطراف المنخرطة في النزاع الأوكراني من أجل تأمين وجودها السياسي والعسكري، فإن ذلك سيعني مزيداً من التدهور ستدفع ثمنه أوكرانيا أولاً وأخيراً.
أكثر ما يقلق روسيا هو التفكير الأوروبي الجدي وعبر ذراعه "الأطلسي" بالتوسع والإقامة العسكرية الدائمة في شرق أوروبا، يعزز هذا التخوف احتمالات انضمام كل من السويد وفنلندا إلى الحلف الأطلسي مع تغير قواعد اللعبة في المنطقة، الأمر الذي قد يعني تطويق الدب الروسي الملاصقة حدوده في الشمال الغربي مع فنلندا.
مع ذلك فإن روسيا على أهبة الاستعداد لنشر صواريخها نحو الدول الغربية، في حال فكرت أوروبا بالتمدد شرقاً وتهديد روسيا بوجودها هناك، فحين تفكك الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، تفكك معها حلف "وارسو" الذي شكل الذراع العسكرية المقابل لحلف "الناتو"، والذي اعتبر آنذاك مواجهاً للحلف الأخير وامتداداً لوجود معسكرين شرقي وغربي.
ربما يشكل الملف الأوكراني عموماً حالة قريبة من النموذج الألماني الذي كان سائداً بعد الحرب العالمية الثانية، ورغبة من مختلف الأطراف المنخرطة في تلك الحرب آنذاك، على تأمين حدودها وتقوية جبهتها وصناعة أحلاف تشد ظهرها في مواجهة غرمائها من الطرف الآخر.
نتيجة الحرب العالمية الثانية راحت ضحيتها ألمانيا التي قسمها جدار برلين إلى واحدة غربية والثانية شرقية، وحينها كان الاتحاد السوفياتي دولةً عظمى لا يستهان بها، أما الآن وفي النموذج الأوكراني فيمكن القول إن روسيا عادت من سباتها بعد عشر سنوات من الانكفاء الذاتي، ومن تنبؤات أميركية اعتبرت أن روسيا لن تعود من جديد ولن يكون لها دور على الساحة الدولية قبل خمسين عاماً.
نعم قواعد اللعبة اليوم باتت مختلفة، ذلك أن حلف وارسو انهار، وبقي "الناتو" يشكل تهديداً وقلقاً دائماً لروسيا الفتية التي تسعى بكل قوة من أجل استعادة دورها الذي فقدته منذ كانت ضعيفة، ويبقى القول إن الفشل بين الفرقاء الدوليين والأوكرانيين في إيجاد حل توافقي فيما بينهم، سيؤدي بالنتيجة إلى تقسيم أوكرانيا، واحدة غربية وأخرى شرقية.
وهذا السيناريو ليس بعيداً عن الواقع الحالي، ولا يختلف كثيراً عن النموذج الألماني إلا في موضوع الولاء الشعبي، ذلك أن الأولى خضعت لرحمة الصراع الدولي والحرب الباردة امتداداً لهذا الصراع، وكذلك الحال في النموذج الأوكراني الذي يشهد الآن حرباً باردة بين أطرافه، لكن ما يميز ألمانيا عن أوكرانيا أن الأخيرة مهيأة من الداخل للانقسام استناداً إلى تعددها الهوياتي.

Hokal79@hotmail.com