بات الجميع يدرك الكمائن التي يمكن أن تلاقيها "المصالحة" على طريق إنهاء الانقسام وإعادة توحيد المؤسسات الوطنية. وبات الجميع يدرك أيضاً أن انسداد العملية السياسية هو عامل مفصلي في درجة الذهاب بعيداً في هذه المصالحة، تماماً كما هو مفصلي عامل استقرار الأوضاع في مصر وفي بعض دول الإقليم الأُخرى.
الكمين الأكبر (كما أرى) هو الكمين الإسرائيلي وما يمكن أن ينطوي عليه من تدخلات إسرائيلية محددة لإفشال المصالحة من جهة وما يمكن أن يترتب على هذه التدخلات من "تغيرات" دراماتيكية في الموقف من المصالحة وفي تبعات هذا النوع من المصالحة من جهة أخرى. حتى وإن ناور الإسرائيليون عدة أشهر أخرى (على عين التاجر) فإن الخيار الإسرائيلي الأصلي ـ كما قلت في المقال السابق ـ هو إعادة الانتشار بدلاً من "التورط" في الاعتراف بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، حتى وإن تم هذا الاعتراف بصورة جزئية ومشوهة، ذلك لأن مثل هذا الاعتراف هو نسف للمشروع الإسرائيلي القاضي بتجديد المشروع الصهيوني للسيطرة على كامل جغرافيا فلسطين التاريخية من ناحية الغلاف الخارجي براً وبحراً وجواً، إضافة إلى التحكم بباطن الأرض وكل الثروات والتجمعات السكانية والسيطرة على مسار تطور هذه التجمعات.
هذا الخيار الإسرائيلي ليس واحداً من عدة خيارات كما يعتقد البعض بل هو الخيار الأساس والأصلي، أما بقية ما نعتقد أحياناً أنها خيارات إسرائيلية موازية أو بديلة هي ليست في الواقع إلا خيارات لحظية ومؤقتة لا تهدف إلى أبعد من خدمة التوجه نحو الخيار الأصلي والتقدم بصورة جدية باتجاه هذا الخيار.
إذا كان الأمر كذلك ـ وهو في أغلب الظن كذلك بالفعل ـ فإن المصالحة ستنجح في أبعد الحدود بتوحيد أو إعادة توحيد منطقة قمة الهرم السياسي دون أن يمتدّ هذا التوحيد إلى المكونات الرئيسية للمجتمع والدولة في البلاد.
هنا وفي هذه المنطقة بالذات ستنشط إسرائيل، وهنا يمكن استقراء حجم ونوعية التدخلات الإسرائيلية، وعند تخوم المنطقة الفاصلة ما بين قمة الهرم السياسي وما بين مؤسسات الدولة والمجتمع الفلسطيني تنصب إسرائيل لنا الكمين الأكبر.
السلاح الإسرائيلي سيكون ـ كما أرى ـ عزل المناطق السكانية والتحكم بالحركة منها وإليها، وتمويل المنعزلات إلى "كيانات" معزولة عن بعضها البعض وليست "موحدة" إلاّ في منطقة الهرم السياسي الذي أشرنا إليه.
بهذه الطريقة ستبقى غزة معزولة بالكامل، وستكون إسرائيل قادرة على إعادة عزل منطقة القدس.
عندما تستكمل إسرائيل قوس منطقة E 1 وتستكمل الجدار في بعض المناطق سيعاد عزل ثلاثة أو أربعة تجمعات سكانية رئيسية، وبذلك ستصبح مهمة توحيد هذه التجمعات مهمة صعبة، وسيسوّق المشروع (مشروع إعادة توحيد هذه الكيانات باعتباره إنجازاً كبيراً، وهو ما ستوافق عليه إسرائيل فيما بعد) وسيتم القبول الضمني بحدود الدولة المؤقتة القائمة بحكم الواقع أو المفروضة بحكم الواقع القائم، وبحيث يتم التفاوض لاحقاً على "تحسين" شروط بقاء وتطور هذه الدولة باعتباره نهاية المطالب الفلسطينية وإنهاء الصراع.
أي بمعنى آخر فإن المصالحة طالما هي محصورة في منطقة الهرم السياسي فإن إسرائيل "ستستخدمها" لإنجاز مشروع المنعزلات السكانية قبل أن تتم المصالحة لتشمل مكونات المجتمع والدولة، وحينها فإن المصالحة ستتيح للقوى السياسية فرصة "التنافس" على السيطرة في هذه المنعزلات بدلاً من التنافس في كل المسألة الوطنية الشاملة.
وهنا أيضاً ستؤجج إسرائيل هذه المنافسة وقد تحولها إلى صدامات عنيفة وربما مسلحة تماماً كما فعلت وخططت قبل "الانسحاب" من قطاع غزة.
حركة حماس لن تخسر شيئاً جراء عمليات العزل، وهي تتحكم بالقطاع كاملاً ولا يضيرها في شيء أن تكون جزءاً من التنافس وكلاعب قوي في هذه المنافسة داخل هذه المنعزلات مع بقاء القطاع خارج المنافسة.
في هذه الحالة الخاسر الأكبر هو حركة فتح وفصائل العمل الوطني والمشروع الوطني والذي هو ليس بكل تأكيد مشروع حركة حماس أصلاً.
لهذا كله فالكمين الإسرائيلي أخطر وأكبر مما يظن بعضنا، وعلى حركة فتح وفصائل المنظمة أن تقطع الطريق على هذا الخطر الذي أسمّيه الخطر الداهم.
إذا أرادت فتح أن تحبط المشروع الإسرائيلي في المهد، وإذا تنبهت فصائل المنظمة لهذا التدبير والتخطيط الإسرائيلي فإن إسرائيل ستكون هي الخاسر الأكبر من خطة إعادة الانتشار في الضفة، أما إذا جرى الاستهتار بهذا المخطط، ولم يتم وضع الخطة البديلة لمواجهته فإن إسرائيل تكون قد وجهت ضربة قاصمة في خاصرة المشروع الوطني كله.
لا مجال لمجابهة المشروع الإسرائيلي بدون تجديد شرعية النظام السياسي على أسس ديمقراطية راسخة، وبدون تحويل المشروع الوطني (مشروع الدولة الوطنية المستقلة وحق العودة) إلى البرنامج السياسي للمصالحة، والاتفاق على أسلوب النضال السلمي الديمقراطي وإعادة الاعتبار الكامل للمنظمة عبر عملية شاملة من الإصلاح والتفعيل والتنشيط الشامل لأجهزتها ومنظماتها ودوائرها وآليات عملها وقواعد الاحتكام فيها.
ولا مجال لإحباط المشروع الإسرائيلي إلاّ عَبر تسريع عمليات توحيد المؤسسات الأمنية والوطنية وقبل الانتخابات وليس بعدها، إذ لا علاقة حتمية ما بين إعادة توحيد المؤسسات وما بين الانتخابات، ذلك أن توحيد هذه المؤسسات ليس مرتبطاً "بالشرعيات" بقدر ما هو مرتبط بإرادة الشراكة الوطنية. هنا فقط يمكننا أن نحكم على النوايا ويمكننا أن نفهم الفرق بين الدوافع الخاصة للمصالحة والدوافع التي تنتمي لمشروع الاستقلال الوطني ومشروع الشراكة الوطنية وكامل قضية التحرر الوطني للشعب الفلسطيني.


