إن كان علينا نحن الفلسطينيين أن نهتم بشأن قضيتنا وشعبنا وهمومنا، وأن نترك للشعوب العربية، ان تتدبر أمورها، وان تصنع مستقبلها، إلاّ أننا كجزء من الأمة العربية، وأصحاب قضيتها المركزية الأهم، لا نستطيع تجاهل ما يجري هنا وهنالك في طول المنطقة العربية وعرضها.
ثمة من يستعجل الحكم على مجريات "الربيع العربي"، الذي اندلع بداية من تونس قبل أكثر من ثلاث سنوات، وبدا وكأن الأمر مجرد انقلابات شعبية أو عسكرية. على التاريخ، سرعان ما أن يستقر أمرها، لصالح هذا الاتجاه السياسي أو ذاك، أو لمصلحة هذه القوى الدولية أو تلك على اعتبار أن ما يجري هو من تدبير قوى خارجية، تستند إلى عوامل داخلية.
المثال الليبي، وقبله ما جرى في العراق، ربما يقدم نموذجاً صافياً لدور القوى الخارجية، إزاء بلدين نفطيين، خصوصاً، وأن ليبيا لم تكن تتمتع بحيوية سياسية، وحراكات حزبية وشعبية معارضة للنظام إلى الحد الذي يرشح لإمكانية التغيير. إلى بعض الوقت لم نكن نسمع بوجود أحزاب وتيارات سياسية إسلامية أو قومية، أو اشتراكية في ليبيا، حتى المعارضة الخارجية كانت ضعيفة وبالكاد نسمع عن نشاطات ذات أهمية لها.
لم يهدأ العراق، منذ الغزو الأميركي، وهو لم يستقر على التركيبة السياسية التي أنتجتها عملية التغيير بقوة التدخل الخارجي، وانفتح على صراعات عميقة، تهدد وحدته الجيوسياسية، وتضعف سيطرة الدولة المركزية كما تهدد نسيجه الاجتماعي، الزاخر بالتنوع الطائفي والإثني.
بعد نحو عشر سنوات، من الإطاحة بنظام البعث، واحتلال العراق، ثم رحيله رسمياً، مع بقاء بعض قواعده العسكرية، وتدخلاته السياسية والأمنية والاقتصادية ما يزال العراق ينزف دماً، وقد أصبح قاعدة أساسية، لتفريخ الإرهاب، وتدريب وتصدير المقاتلين إلى الجوار، وها قد جرت الانتخابات البرلمانية فيه للمرة الثانية ولكن بدون أن تلوح في الأفق معالم الاستقرار والهدوء والتفرغ لإعادة ما دمرته الحروب والصراعات.
ليبيا، التي جرى فيها التغيير، بأيد خارجية في الأساس، لم يصل حد الاحتلال، وتركت لأهلها، أنتجت نظاماً هشاً، تسوده الفوضى، والانقسامات، والصراع، وتهدده الميليشيات القبلية، والحزبية، وباتت هي الأخرى مسرحاً مفتوحاً لتصدير الجماعات الإرهابية، وكل أنواع الأسلحة.
ليبيا اليوم مهددة، هي الأخرى بوحدتها الجغرافية، والواقع على الأرض يتطابق مع التحليلات التي كانت تشير إلى إمكانية تقسيمها إلى ثلاث دويلات، برقة وفزان وطرابلس، ونسيجها الاجتماعي والسياسي أيضاً مهدد إلى حدود مفزعة.
في الواقع ما كان ممكناً أن تشهد ليبيا الاستقرار بمجرد الإطاحة بنظام القذافي، فلا الظروف الاجتماعية والطبقية ناضجة، ولا وجود لحركة سياسية، وأحزاب، ناضجة، ولديها القدرة على استلام الدفة نحو المستقبل. وحتى الآن لا يستطيع المرء تذكر أسماء أحزاب وحركات سياسية، مؤهلة لخوض الصراع الداخلي بكفاءة واعدة بإمكانية الانتقال بالبلاد، نحو مستقبل مختلف، لكن أي مراقب للوضع يستطيع أن يتذكر أسماء عشرات الميليشيات، إذ يكاد يكون لكل مدينة ميليشيتها المسلحة الخاصة بها.
ما جرى ويجري مؤخراً في ليبيا، من قيام جزء من الجيش الليبي بداية ضد الميليشيات المسلحة في بنغازي، الأمر الذي امتد سريعاً إلى العاصمة طرابلس، يشير إلى أن الجيش بدأ يتحرك نحو أخذ زمام المبادرة، ولكن لأنه جيش غير متماسك، وجرى لملمته على عجل فإنه مرشح لوقوع انقسامات خطيرة في صفوفه. عندما تحرك اللواء خليفة حفتر، كان وزير الدفاع قد أعلن عن أنه لا علم له، بما يقوم به حفتر، ما يعني أن المؤتمر الوطني، والحكومة، التي تم للتو تشكيلها، لم يكونا على دراية بما يجري.
في الواقع علينا أن نلاحظ العلاقة بين حفتر، ومن انضموا إليه من الجيش الليبي وبين ما يجري في مصر، التي تشكو من عمليات تهريب الأسلحة، والمقاتلين إلى أراضيها فيما هي تخوض ما تعتبره حرباً ضد الجماعات الإرهابية.
بعض الأطراف في ليبيا، وعلى مرأى ومسمع الحكومة، دعمت وجود ما يسمى بالجيش المصري الحر، على غرار الجيش السوري الحر، ولكن هذه الأطراف أيضاً لم تحرك ساكناً ولا بمقدورها، حين قام الطيران المصري بقصف بعض تجمعات هذا الجيش ونقصد الحر.
نفترض أنه من الطبيعي أن تسعى مصر لدعم حركة حفتر، ومساعدته على تحقيق السيطرة، على الأوضاع في ليبيا، خصوصاً وأن حفتر أعلن موقفاً عدائياً، من جماعة الإخوان المسلمين، ويبدو أنه سيسير في اتجاه الموقف المصري من هذه الجماعة. مصر تتعرض لاضطراب داخلي لا يزال يؤثر سلبياً على قدرتها للتغلب على الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، ولكن الإرهاب والعنف الداخلي هو أخطر ما يواجه الرئيس القادم، والنظام بصفة عامة. ولكن يتضح أيضاً بأن مصر في معركتها الداخلية لمحاربة الإرهاب، يترتب عليها أن تواصل ذلك، وأن تدافع عن داخلها من الخارج، إذ تجاورها جغرافياً، مفتوحة، وتشكل مصدراً وقواعد خارجية لتصدير الإرهاب، وأدواته وعناصره إلى داخل مصر.
الصراع إذاً مفتوح في ليبيا. ومصر من خلال حربها الداخلية والخارجية على الإرهاب تعيد رسم دورها الإقليمي كدولة كبرى غابت عن المشهد والتأثير بعد أن انغلقت داخل حدودها إبان حكم مبارك. أما الخلاصة فهي أن الشعوب قادرة على تصحيح أوضاعها، وإعادة رسم خرائط مستقبلها بالرغم من التدخلات والأطماع الخارجية، وهي موجودة وفاعلة.
طلال عوكل


