إثر التصريح الذي أدلى به رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أثناء زيارته للعاصمة اليابانية طوكيو، من أنه بصدد دراسة خيارات إسرائيل إثر انسداد أفق العملية التفاوضية والحديث عن مصالحة فلسطينية داخلية، وذلك من خلال الاتصال مع شركائه في حكومته الائتلافية محذراً من الانزلاق لدولة ثنائية القومية، إثر هذا التصريح تركزت تحليلات كتاب الرأي في إسرائيل حول خيارات الدولة العبرية إزاء هذين الحدثين: انغلاق أفق المفاوضات والمصالحة الفلسطينية، وامتد هذا التركيز ليصل إلى كتاب الرأي في الجانب الفلسطيني.
بداية، لا بد من التأكيد على نقطة بالغة الأهمية عندما نتناول "الخيارات الإسرائيلية" وهي أن إسرائيل هي العنصر الأهم في المنطقة في رسم سياسات وأحداث معظم ما يجري فيها، وهي العنصر الحاسم تقريباً في توجيه ردود فعل الأطراف الأخرى، وبقول آخر، فإن الحديث عن "خيارات إسرائيل" يجب ألا يفهم منه، أنها في أزمة أو ورطة تبحث عن خلاص بقدر ما يشير الأمر، إلى أن إسرائيل، بسبب دورها المؤثر في الأحداث، تدرس الخيارات الأفضل للقيام بهذا الدور، وعند الحديث عن أزمات إسرائيل، مثل ما يقال أو يشاع عن أزمة حكومة نتنياهو إزاء العملية التفاوضية، ووجود أكثر من وجهة نظر، تتمثل إحداها بالوزيرة ليفني رئيسة حزب الحركة التي تؤيد العملية التفاوضية، والوزير نفتالي بينيت رئيس حزب "البيت اليهودي" الذي يعتبر الضفة الغربية بما فيها القدس جزءاً من إسرائيل وبالتالي فإنه ضد أي عملية تفاوضية مع الفلسطينيين بشكل مطلق، يبدو الأمر من الناحية الشكلية أن نتنياهو يواجه أزمة وزارية، لكن باعتقادنا أن الأمر خلاف ذلك، فالتباين في إطار حكومة نتنياهو مطلوب بل ضروري، ذلك أن هذا الأمر يسمح لنتنياهو بابتزاز الجانب الفلسطيني من ناحيته بالقول إنه مع عملية تفاوضية لا تؤدي إلى سقوط حكومته إذا ما أقدم على تنازلات معينة، وكذلك في مواجهة الضغوط الأميركية المحتملة للانصياع إلى استحقاقات العملية التفاوضية، وبإمكان نتنياهو أن يعيد تنظيم وتعديل حكومته، بلا خلافات جدية في إطار الموقف من العملية السياسية، باستبدال حزب "البيت اليهودي"، بحزب العمل مثلاً، غير أن الخلاف داخل الحكومة، يهدف إلى التملص من استحقاقات العملية التفاوضية، إذاً، ليس هناك أزمة إلاّ بالقدر الذي يتم تسويقها عبر التصريحات ووسائل الإعلام.
قراءة مبكرة للخيارات الإسرائيلية المحتملة، أمر محمود وضروري، غير أن هذه القراءة يجب ألا تستحضر طريقة اتخاذ القرار لدينا، عربياً وفلسطينياً، فإسرائيل دولة مؤسسات، خياراتها تنطلق من دراسة متأنية ودقيقة ولا تتأثر بردود الفعل السريعة، تضع السيناريوهات وتداعيات كل منها ووضع الخطط لتلافي الأخطار المحتملة، صحيح أن القرارات الإسرائيلية وسياساتها ليست دائماً تحقق الأهداف التي تم تحديدها، لكن بشكل عام، فإن الخيارات الإسرائيلية تنطلق من دراسة موضوعية بأكبر قدر ممكن، وبالتالي فإننا نعتقد، أنه وعلى الرغم من التحديات التي فرضتها التطورات على صعيد العملية التفاوضية والمصالحة الفلسطينية، فإن إسرائيل لن تتسرع باتخاذ أي خيار قبل مضي وقت تقوم فيه بدراسة التداعيات والاحتمالات، وانتظار ما سيستجد على جانبي هذين الحدثين.
فالحديث عن ضم الضفة الغربية، أو إعادة انتشار لقواتها بحدود الجدار، أو عدوان واسع ينجم عن إعادة احتلال لقطاع غزة، كل ذلك وأكثر قد تكون خيارات محتملة للتعامل الإسرائيلي مع التداعيات الحالية، غير أننا نرى أن أياً من هذه الخيارات ليست مطروحة الآن، إلاّ بالقدر الذي تطلق إسرائيل هذا الخيار أو ذاك، لدراسة ردود الفعل، والتأثير على القرارات الأميركية والفلسطينية، وهكذا رأينا أنه بعد تصريح نتنياهو المشار إليه في بداية هذا المقال، سارع الرئيس عباس ليؤكد من جديد أن الحكومة القادمة، هي حكومته وتتخذ من برنامجه سياستها، التي تعتمد أساساً على الحل السياسي من خلال المفاوضات، وقد سارعت واشنطن للترحيب بهذا الموقف معلنة أنها ستمنح الحكومة الفلسطينية القادمة بركاتها، وهكذا، فإن التهديد الإسرائيلي حول دراسة الخيارات، مكّن حكومة نتنياهو من دفع القيادة الفلسطينية إلى التمسك مجدداً بموقف الرباعية الدولية، صحيح أن هذا الأمر كان تحصيل حاصل، لكن التأكيد عليه مجدداً جاء بفضل الترهيب الإسرائيلي من خلال تصريح نتنياهو في طوكيو.
ونعتقد أن حكومة نتنياهو ستنتظر الجهد الأميركي اللاحق لاستئناف العملية التفاوضية من جهة، ومآلات المصالحة الفلسطينية وما تنطوي عليه من عقبات محتملة، ما يجبر الوضع الفلسطيني على الانغلاق بجهوده على الداخل من جهة، وتطويع حركة حماس للانغماس في العملية السياسية، عن بعد في بداية الأمر، في ظل الانخراط في التشكيلة السياسية الفلسطينية المعترف بها عالمياً، دون تجاهل الدور المصري المؤثر بهذا الصدد، والذي ستتحدد معالمه أكثر بعد الانتخابات الرئاسية، فإسرائيل ليست مستعجلة على خياراتها بقدر ما تطلع إلى التأثير على خيارات الآخرين، وفي الطليعة خيارات الجانب الفلسطيني، هذا لا يمنع بالتأكيد من الوقوف على الخيارات الإسرائيلية المحتملة، ولكن من خلال قراءة تنطلق من طبيعة رؤية إسرائيل لنفسها وليس من خلال كيف نرى نحن إسرائيل، وهذا يدفع للقول إن إسرائيل لن تقدم على أي خطوة دراماتيكية في الوقت الراهن، وستظل في حالة انتظار، قد تطول بعض الشيء؟!
hanihabib1954@gmail.com


