خلال أشهر قليلة نجح الرئيس أبو مازن في الخروج من جميع ما كان بادياً أنه أزمة وعاصفة تهب أمام المركبة. وربما وببعض الطمأنينة يمكن القول أنه قفز عن كل هذه الأزمات بلا خسائر ضمن مفهوم الربح والخسارة. وان تأمل السياق العام للأحداث السياسية في فلسطين وما يتعلق فيها يعطي الكثير من الإشارات للنتائج المرضية التي تحققت والتي بدا الكثيرون متشككين في حكمتها في الكثير من الأحيان.
لم تكن جملة الأزمات السياسية التي تعصف بالساحة الفلسطينية بالقليلة وكانت تتطلب تدخلات وسياسات لا تقل قوة عن جوهر تلك المشاكل من أجل مواجهتها والتصدي لها. وإذا كانت الأمور تقاس بخواتيمها فإن ثمة حكمة عالية كشفت عنها الممارسة السياسية في معالجة تلك القضايا.
في ملف المفاوضات كان القرار بالرجوع للمفاوضات صعباً بعد أكثر من ثلاث سنوات من تعليقها بعد ربط استئنافها بوقف الاستيطان. لقد كان الخطاب السياسي الفلسطيني متجاوزاً كل حدود البلاغة في ذلك، وكان واضحاً أن التصادم السياسي هو سمة العلاقة بين السلطة وإسرائيل بعد تعليق المفاوضات. ورغم الجهود المتعثرة التي بذلها الأميركيون وبعض الأصدقاء الأوروبيين ورغم الضغوطات التي مورست على أبو مازن من أجل العودة لطاولة المفاوضات إلا أن الموقف الفلسطيني ظل صلباً وثابتاً. كان ثمة بحث عن "هدف" سياسي مرجو وثمين. عرف أبو مازن أن إسرائيل ستواصل المعاندة والمكابرة وأن القصة ستبدو مثل "عضة" الأصابع. لذا ذهب مباشرة إلى إحراز الهدف الأول الذي تعثر جزئياً في أول محاولة العام 2011 ثم سرعان ما أعاد الكرة في العام 2012 فحصل ما لم تكن إسرائيل تتوقعه ان فلسطين رسمياً أصبحت عضواً في الأمم المتحدة. الإجراء الذي حرم منه الشعب الفلسطيني منذ احتلال بريطانيا لفلسطين العام 1917 وهو الاحتلال والوعد الذي رافقه "وعد بلفور" الذي لم تكن له غاية إلا حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في دولة، كان هو اقرب شعوب المنطقة لنيلها. هددت إسرائيل وصرخت وتوعدت لكنها في نهاية المطاف لم تملك إلا أن تقر بأن الهزيمة النكراء التي وقعت بها في المحافل الدولية تتطلب منها أن تعيد معالجة الأمر.
بالنسبة لأبو مازن فقد بات واضحاً أن الأمر الواقع الجديد تترتب عليه استحقاقات جديدة. كان الحديث عن الانضمام للمنظمات الدولية. لكنه كان يعرف بأن نشوة الانتصار تتطلب التريث حتى لا تتم خسارة الأصدقاء الذين فاق عددهم المائة الذين تم تجنيدهم حتى في قلاع الدبلوماسية الإسرائيلية في أوروبا. من كان يتصور أن كل أوروبا باستثناء التشيك لن تعارض انضمام فلسطين. هكذا ربح العضوية وحافظ على الأصدقاء. وعندما أعاد المجتمع الدولي الضغط عليه من أجل استئناف المفاوضات فهم الرسالة فقرر فجأة أن يعود للمفاوضات ولكن مع بعض المكاسب المهمة والتي تمثلت بإطلاق سراح الأسرى الذين تم اعتقالهم قبل أوسلو. ولأن إسرائيل أرادت أن يبدو أبو مازن المعطل والرافض وتبعد الاتهام عن نفسها.
بدأت المفاوضات دون أن يبدي أبو مازن تفاؤلاً مفرطاً. وكان واضحاً أن العبرة في النتائج. لكن يبدو ان النتيجة الأهم كان أن تحظى أمهات هؤلاء الأسرى بفرصة عناقهم. وحدث. وحين طرح كيري مقترحاته التي كانت أقرب للفهم الإسرائيلي لم يتردد أبو مازن بقول "لا" كبيرة. لكنها لا مشروطة فإذا ما أعاد كيري تطوير مقترحاته لتصبح أكثر قرباً من الحد الأدنى من العدل يمكن قبولها. ورغم اتهامات خصومه القاسية في بعض الأحيان إلا أنه ظل واثقاً من أن كل العالم لا يستطيع أن يجبر شعباً على اختيار ما لا يرغب. وذهب إلى واشنطن مسبوقاً بالمظاهرات الشعبية التي تؤكد وقوف الشعب معه. وقبل ذلك كان لقاؤه العاصف مع كيري في باريس. ودون تردد قام بالتوقيع على انضمام فلسطين لخمس عشرة اتفاقية دولية رغم احتجاجات واشنطن وزعيق تل أبيب.
لنقيس النتائج كما هي عليه الآن. خرج الأسرى. صحيح أن الدفعة الرابعة لم تخرج؛ لكن خرج من خرج وهذا إنجاز كبير. وأوقف أبو مازن المفاوضات دون أن يقدم لإسرائيل شيئاً بالمقابل، وظلت إسرائيل هي الملامة على تعطيل المفاوضات. يشبه الأمر تماماً الوضع قبل استئناف المفاوضات في ربيع العام الماضي. بل إن الوسيط غير النزيه "الولايات المتحدة" لم يتردد دبلوماسيوها وسياسيوها في لوم إسرائيل وتحميلها المسؤولية. أما أبو مازن فعاد ليلتقي كيري مرة أخرى على قاعدة أن إسرائيل هي المعطلة. إسرائيلياً، أستيقظ معسكر اليسار الإسرائيلي على الورطة التي أوقعه فيها نتنياهو فصار أقطابه يتسابقون للقاء أبو مازن أو التصريح ضد سياسات نتنياهو. وإسرائيل حولت العائدات الضريبية رغم كل شيء. وفلسطين باتت عضواً في الأمم المتحدة وهي عضو في اكثر من 15 اتفاقية دولية.
أما على الصعيد الوطني فإن الملف الأكثر سوداوية في علاقات الشعب الفلسطيني الداخلية سينتهي في غضون أيام بعد أن وافقت "حماس" على تنفيذ اتفاق القاهرة. قيل الكثير عن الأسباب والدوافع لكن المؤكد ان أبو مازن حقق تطلعه وتطلع أبناء شعبه بإنهاء الانقسام وتوحيد السلطة بين غزة والضفة. لم يكن موضوع المفاوضات هو ما اجبره على ذلك بالعكس فهو انجز المصالحة وهو يقول لكيري، لا مانع عندي لو خضعت إسرائيل للمطالب الدولية بوقف الاستيطان سنعود للمفاوضات. كما يبدو أن الوضع الفلسطيني الداخلي أكثر تماسكاً. ليس لأن "حماس" اكتشفت أن أبو مازن هو طوق النجاة في ظل ظروفها الصعبة، وهذا في جزء كبير منه حقيقي، ولكن لأنها اكتشفت أن سياسات أبو مازن هي التي تقطف الثمار. لذا كان وقوفها خلف خطابه في المجلس المركزي.
فتحاوياً، يبدو أبو مازن اكثر قوة وهو يعيد "فتح" للمشهد بقوة بعد عملية المصالحة ويحضر للمؤتمر العام السابع في الحركة، مؤكداً ضرورة دورية عقد المؤتمر رغم كل شيء، حيث عقد السادس بعد عشرين عاماً من الخامس. أما عربياً، فهو لم يخسر أحدا بالمطلق. ألم يقل قبل ذلك أنه الرابح الوحيد من الربيع العربي. فهو أول من وقف في وجه المشروع الإخواني حتى حين كان الإخوان في حكم مصر دون ان يتدخل في شؤون مصر، والعلاقة مع الوطنية المصرية باتت في أقوى صورها خاصة بعد اللقاءات الأخيرة مع المشير السيسي، رغم محاولات البعض الإيقاع بين الرجلين. حتى قطر وتركيا تلحقان برؤية المصالحة وستساهمان بقوة في تمويل استحقاقاتها. وعلى ذكر تركيا فما فعله أبو مازن يشبه إطار وزير خارجية تركيا أوغلو التحليلي الشهير حول "تصفير الأزمات" في كتابه ذائع الصيت العمق الاستراتيجي.


