للمتطيّرين الذين يستعجلون، ويستسهلون الحكم على المفاوضات بأنها وصلت إلى طريق مسدود، أن يتمهلوا، وأن يقرؤوا جيداً، الوقائع التي رافقت، وتلت المفاوضات إلى أن توقفت، دون أن يعني ذلك نهاية خيار المفاوضات.
بطريقة أو بأخرى، المفاوضات جارية، ولكن ليس بشكلها المعروف حيث تتقابل الوفود من الطرفين، أو يتفاوضا من خلال طرف ثالث، أو عبر اتصالات وزيارات المسؤولين الدوليين.
المطابخ السياسية لا تزال تعمل كل الوقت، في الولايات المتحدة، وفي إسرائيل، وفي فلسطين، ويحسب على عمليات الطبخ، كل ما يصدر من مواقف وإجراءات يتخذها كل طرف، حتى لو كان بمفرده، ذلك أن المحصلة تشير إلى أن الإدارة الأميركية، إنما تعطي للطرفين فرصة من الوقت لإعادة تقييم الوضع، ولتحضير نفسيهما، لعودة قد لا تطول للدور الأميركي، ما لم يكن من خلال مبادرة الطرفين.
لم ينقض الوقت الذي تستطيع فيه الإدارة الأميركية الراهنة، معاودة العمل على ملف عملية السلام، سواء عبر تفعيلها أو عبر نفض يديها من كل هذا الملف، فلقد بقي أمام الرئيس باراك أوباما وإدارته نحو سنتين ونصف السنة، هي فترة كافية، لاسترداد هيبة الولايات المتحدة، التي مستها السياسات والمواقف الإسرائيلية، منذ الأيام الأولى لتولي الرئيس أوباما مهامه قبل أكثر من خمس سنوات.
مصادر أميركية مسؤولة، تتحدث عن أن وزير الخارجية جون كيري، مع فريقه، كان قد بلور اتفاقية اطار أو خطة، وهي لا تزال فوق الطاولة، ومن غير المحتمل أن تتحول إلى داخل الأدراج.
خلال المفاوضات التي استمرت تسعة أشهر، أصبح لدى الأميركيين صورة واضحة، إزاء كافة الملفات الأساسية، وإزاء الأولويات، التي ينبغي أن تبدأ بمناقشة ملف الحدود، باعتباره الملف الأساسي، وليس الملف الأمني، الذي تتلاعب به إسرائيل، وتجعل منه عقبة تحول دون الانتقال لمناقشة الملفات التالية.
ولأن الإدارة الأميركية لم تطو ملف التسوية، فإنها تبدي ارتباكاً إزاء الإعلان عمن يتحمل المسؤولية عن فشل المفاوضات، وعن أسباب ذلك الفشل، ففي حين صرح مارتن انديك أن إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية عن الفشل بسبب الاستيطان، فإن أكثر من مسؤول أميركي يُحمّل المسؤولية للطرفين.
ينطوي هذا التصريح المجحف، وغير الموضوعي، والمنحاز لصالح إسرائيل، ينطوي على رغبة أميركية في تجنب الاصطدام مع إسرائيل وإبقاء الباب موارباً أمام احتمال تجدد المفاوضات.
من حيث المبدأ تدرك الإدارة الأميركية، ويدرك كل مراقب سياسي أن حكومة من النوع الموجود في إسرائيل، هي المؤهلة والقادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مهمة، فهي رغم تطرفها الشديد، إلاّ أنها تقوم على ائتلاف مستقر، بينما لا تملك المعارضة المتمثلة في حزب العمل، وبعض الأحزاب الأخرى الصغيرة، أية حظوظ في أن تملك الجرأة والقوة الكافية والتحالف المستقر الذي يؤهلها لاتخاذ قرارات استراتيجية.
وتدرك الولايات المتحدة، ويدرك كل مراقب سياسي، أن الوضع الفلسطيني بعد الاتفاق على تحقيق المصالحة، قد بات أقرب إلى إمكانية التكيف مع متطلبات الخوض في مغامرة التسوية.
فبغض النظر عن الموقف الإسرائيلي الرافض والغاضب من المصالحة، إلاّ أن الترحيب الذي تحظى به المصالحة عربياً ودولياً، من شأنه أن يكبل يد إسرائيل في التصرف لنسف، مسيرة المصالحة.
الأوروبيون رحبوا بها، وأعربوا عن استعدادهم لتغطية مستحقات رواتب حكومة الوفاق لستة أشهر، والبنك الدولي، الذي تحظى فيه الولايات المتحدة بسلطة القرار، قرر منح السلطة ثلاثين مليون يورو إضافية لصالح الموازنة، أما الولايات المتحدة، فقد رهنت موقفها من المصالحة، بقبولها شروط الرباعية الدولية.
تصريحات الناطقة باسم الخارجية الأميركية طالبت إسرائيل أو تتوقع منها، تجميد الاستيطان، والتحول نحو بحث الملفات الأساسية وأولها موضوع الحدود، فيما تطالب السلطة، بالتوقف عن استفزاز إسرائيل من خلال التوقف عن مواصلة التوجه نحو الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية. وتطالب حكومة الوفاق بالموافقة على شروط الرباعية.
من الواضح أن المطالبات الأميركية للجانب الفلسطيني، سهلة ويمكن قبولها، فلقد أعلن الرئيس محمود عباس أكثر من مرة، أن الحكومة المقبلة، ستلبي شروط الرباعية، فيما لا يبدو أن السلطة تستعجل تفعيل ملف التوجه نحو الأمم المتحدة.
الأمر مختلف بالنسبة لإسرائيل، حيث المطالبات الأميركية صعبة، الأمر الذي ينطوي على تقييم أميركي لأسباب تعطل المفاوضات التي يصر الأميركيون على أنها حققت تقدماً.
خلال المهلة التي يتيحها الأميركيون للطرفين، لا تتوقف الرسائل الأميركية لحث الإسرائيليين على ضرورة إجراء تغييرات في مواقفهم وسياساتهم إزاء عملية السلام، فبالإضافة إلى ما ورد آنفاً في المقال عند الحديث عن المواقف الأوروبية والأميركية تجاه المصالحة، يمكن الإشارة إلى رسائل أخرى، من بينها ـ على سبيل المثال ـ التحول في الموقف السعودي من إيران بعد زيارتها من قبل الرئيس أوباما، وهو تحول لا يسعد إسرائيل.
والسؤال هو: هل تصمد وإلى متى الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ المزيد من الخطوات والمواقف والسياسات المتطرفة، التي تستهدف وضع المزيد من العقبات أمام إمكانية استئناف المفاوضات، كذلك التشريع الذي يتعلق بيهودية الدولة، والآخر الذي يمنع الإفراج عن أسرى محكومين بالمؤبد؟. واضح أن الأمر يتصل أولاً وأخيراً، بمدى إصرار الإدارة الأميركية على متابعة دورها، وعلى مدى استعدادها للضغط على الحكومة الإسرائيلية، التي قالت الناطقة الأميركية إن عليها أن تتخذ قرارات صعبة ومثلها الفلسطينيون حتى لو أدى ذلك إلى اختلالات في البيئات الداخلية.


