يجب ان لا ينظر إلى المصالحة بوصفها انهاءً للخلافات التي سادت بين حركتي فتح وحماس وللانقسام الذي ادى إلى تراجع كبير في بنية النظام السياسي الفلسطيني على كافة المستويات فقط ، بل يجب النظر لها بوصفها خطوة على طريق إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بكل مؤسستها وهيئاتها على قاعدة بعيدة عن الاقصاء أو الهيمنة ، أي في اطار تعزيز آليات الشراكة السياسية.
ولكي يتم تحقيق الشراكة فليس المطلوب فقط على أهميته الاتفاق على تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية ، بل العمل على تحديد اسس وطبيعة النظام السياسي الذي سيكفل صيانة هذه الشراكة من خلال احترام التعددية السياسية والحق بالعمل السياسي والنقابي والاجتماعي والاهلي، والرأي والتعبير، والتجمع السلمي وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، وهذا لن يتحقق عبر قيام اية سلطة بمنح مساحة من الحريات و تقليصها في وقت الازمات، بل بصياغة اسس ومرتكزات لنظام سياسي يضمن ويكفل ويصون ذلك مبنى على فكرة المواطنة المتساوية والمتكافئة ويعمل على تحقيق حرية وكرامة المواطنين دون تمييز وفق القانون.
لعل واحدة من الانعكاسات السلبية الخطيرة التي أحدثها الانقسام تجسدت بتقويض القانون الاساسي واستخدام بعض المعاني والتعبيرات القانونية لصالح هذا الطرف السياسي أو ذاك، فقد تم استخدام المجلس التشريعي في قطاع غزة عبر كتلة الاصلاح والتغير دون مشاركة الكتل البرلمانية الاخرى في سن العديد من القوانين ذات الصلة بالرؤية الايديولوجية لحركة حماس ودون مصادقة الرئيس عليها ، كما أصدر الرئيس محمود عباس سلسلة من القرارات بقوة القانون بالضفة الغربية ودون عرضها على المجلس التشريعي ، كما أصبح هناك جهازين للقضاء منفصلين عن بعضهما البعض واحد في غزة والثاني بالضفة الغربية، الأمر الذي أدى إلى إنشاء مركزيين قانونين منفصلين عن بعضهما.
بالوقت الذي جرى استخدام " القانون " وتوظيفه بما لا يستقيم بالضرورة مع القيم والمبادئ الديمقراطية، بل في خدمة هذا الطرف السياسي الحاكم أو ذاك، فقد ادى الانقسام إلى تراجع حالة الحريات العامة ، التي تم تجسيدها بالعديد من الانتهاكات ابرزها الاعتقال السياسي والاستدعاءات وتقويض حق الجمعيات الاهلية بالاستقلالية والعمل على وضع قيود تحد من حرية التجمع السلمي وتقنين مساحة حرية الرأي والتعبير .
وكما تراجعت مساحة الحريات العامة بسبب الانقسام ونتيجة له ، تراجعت أيضاً حقوق المواطنين في بلورة واستخدام آليات المسائلة والمحاسبة، بسبب غياب المؤسسات القادرة على تنفيذ تلك الآليات وضعف المشاركة الشعبية العاملة على رقابة الأداء العام ، حيث أدت زيادة مساحة السلطة على المجتمع إلى قيام الاخير بالضمور والدفاع عن ذاته في اطار آليات الحفاظ على البقاء والاستمرارية ومقاومة القرارات والقوانين التي تعمل على الحد من عمله و دوره ، فبتنا لم نسمع عن مواقف وبيانات تطالب بمسائلة الوزارة أو الكشف عن بنود الموازنة العامة أو عن آليات تصرف الحكومة بالموارد والممتلكات العامة أو عن سبل وطرق استخدام الضريبة، أو عن أهمية العمل على تحقيق سياسات تضمن اتخاذ الخطوات لتحقيق الحماية الاجتماعية للفقراء والمهمشين، وذلك باستثناءات قليلة ، من هذه المواقف والبيانات إلا انها لم تتبلور كقيمة معرفية وثقافة جمعية معينة مبنية على حق المواطن بالمسائلة، حيث كان من الصعب تحقيق ذلك في ظل توسيع مساحة السلطة على حساب المواطن ومؤسسات المجتمع المدني " من احزاب ومنظمات أهلية ونقابات " الأمر الذي قلص الحيز العام التي تستطيع به هذه المؤسسات من التأثير على السياسات والتوجهات العامة .
لقد تم اثناء الانقسام استخدام السلطة لتوسيع القاعدة الاجتماعية للحزب السياسي في هذه المنطقة أو تلك ، وذلك عبر التوظيف في الوظيفة العمومية ، الأمر الذي أدى إلى تعزيز الصراع على السلطة بين الحزبين الكبيرين ، وجرى تجاوز لمعايير التوظيف المبنية على الكفاءة والقدرة ، فالتعيينات التي تمت تستند إلى الولاء السياسي أكثر من استنادها لمعايير الكفاءة المهنية ، كما جرى توظيف السلطة لصالح بناء شريحة من رجال الاعمال تعود لهذا الطرف السياسي الحاكم في هذه المنطقة أو تلك وذلك على حساب المنافسة الحرة وحق الجميع بالوصول إلى الفرص والموارد والسوق .
لقد أثبتت التجربة فشل خيار الاقصاء والتفرد ،والحاجة إلى الشراكة والديمقراطية تتطلب الاتفاق على عقد اجتماعي يضمن عدم تكرار ما حدث من وسائل أدت إلى الانقسام ، فالديمقراطية تتطلب الاتفاق على منظومة من المبادئ والقيم والمفاهيم والآليات التي تضمن السلم الاهلي والتماسك الاجتماعي والوحدة الداخلية .
وفي اطار هذه المنظومة يصبح من غير المقبول ويشكل خروجاً عن الإجماع القيام بإلغاء واقصاء الآخر واستبعاده عن المشاركة بالحياة السياسية ، كما يصبح والحالة هذه من غير المقبول استخدام أدوات القوة والإكراه في إزاحة الحزب السياسي الحاكم ، حيث تفترض الديمقراطية استخدام وسائل الحوار أو الانتخابات أو أدوات الضغط السياسي والشعبي من أجل التغيير فالعنف يتناقض تماماً مع الاعراف والمبادئ الديمقراطية ولا يعنى الانتخابات فقط ، بل ان الأخيرة احدى آلياتها الهامة التي تضمن التداول السلمي على السلطة ، ولكنها مرتبطة بمنظومة من المفاهيم أهمها احترام حقوق وكرامة المواطنين وضمان التداول السلمي على السلطة، والعمل على تطبيق مبدأ المساواة وعدم التمييز وإن الجميع امام القانون سواء بغض النظر عن العرق والجنس واللغة والدين والأصل الاجتماعي ،والمساواة تعنى ضمان حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية بالعمل والسكن والتعليم والثقافة وليس حقوقه السياسية والمدنية فقط مثل الانتخابات والمشاركة السياسية والنقابية وكذلك تضمن الحق بالمسائلة والمحاسبة.
وعليه فمن الهام الاتفاق على مبادئ "ما فوق دستورية " للنظام السياسي الفلسطيني في مرحلة ما بعد المصالحة على ان تشكل عقداً اجتماعياً توافقياً يكرس إجماعاً وطنياً عليها ، ويؤدي إلى الاحتكام لقواعد العمل الديمقراطي ، الأمر الذي سيؤدي إلى ضمان العمل وفق النسق الديمقراطي بما يضمن عدم قيام الحزب السياسي المعارض والذي حصل على الأغلبية بالانتخابات بتغير قواعد العقد الاجتماعي ، من خلال إزاحة الدستور القديم وصياغة دستور جديد يعكس أيديولوجية فقط سواء كان هذا الحزب يؤمن بالمرجعية الإسلامية أو اليسارية أو القومية، حتى لو تم اعتماده " أي الدستور " عبر الاستفتاء الشعبي فهذا يتعارض مع أسس ومضمون العقد الاجتماعي، المبني أساساً على فكرة التعددية والتداول السلمي على السلطة .
ومن هنا فنحن بحاجة إلى دستور ديمقراطي يحترم التعددية وحقوق الجميع بما في ذلك الأقليات إن وجدت ويكرس قيم المواطنة المتساوية والمتكافئة، وعليه فإن الحزب السياسي الذي وصل إلى الحكم حتى لو كان لديه رؤية أيديولوجية ما، وهذا حقه يستطيع أن يباري في قدرته على تنفيذ برنامجه الانتخابي في خدمة المواطنين ولكن لا يستطيع والحالة هذه أن يغير قواعد العمل الديمقراطي والأسس ما فوق الدستورية ، وذلك صيانة للنظام واستمراريته واستفادة من تجاربنا وتجارب المحيط في مرحلة ما بعد الحراك العربي .
وأرى ان الدستور المنشود بالحالة الفلسطينية وفي سياق توجه القيادة الفلسطينية لاستكمال عضوية دولة فلسطين " المراقبة " بالأمم المتحدة ، ان يكون للدولة الفلسطينية على ان يشكل الأساس القانوني لبرلمان هذه الدولة بهدف تكريس المؤسسات الرامية لتحقيقها وترجمة وجودها على الأرض في إطار الجهد الرامي لإنهاء الاحتلال أي تكريس مؤسسات الدولة الفلسطينية وسيادتها وبالقلب منها البرلمان ودستوره .


