لماذا القانون أولاً، لأن المؤشرات الرقمية المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد النساء باتت تبعث على القلق، مع التأكيد على أن حالات القتل لم تصل للحد الذي يمكن أن يُطلق عليها ظاهرة، إلا أن مؤشرات العنف في المجتمع تتجه نحو التصاعد المضطرد سنة بعد أخرى بسبب عدم معالجتها، وهذا ما تظهره على الأقل الأعداد، وما تشي به مسوح المكتب المركزي للإحصاء المتعلقة بالعنف، ما يجعلنا نحسم بأن العنف في المجتمع الفلسطيني وليس ضد المرأة قد غدا ظاهرة متأصلة بشكل عام، تحتاج إلى سياسات منهجية تستهدف معالجتها واجتثاثها من جذورها. وفي آليات المعالجة، يقف القانون في الصدارة. لذلك، نشأت فكرة حملة إصدار قانون العقوبات، الذي لا يخدم مصالح المرأة وحمايتها فقط، بقدر ما هو حماية للمجتمع والحفاظ على أمانه، منعاً لاستمرار الظاهرة في التصاعد وبما يصعِّب معالجتها والشفاء منها.
وتقف ثلاثة مصادر وراء استشراء وتصاعد وتيرة العنف في مجتمعنا حسب المسوح المعتمدة، عنف الاحتلال والعنف من الحيز والبيئة الخارجية والعنف الأسري. وتترابط حلقات العنف الثلاث مع بعضها لتولِّد ديناميات تغذي العنف وتعيد انتاجه بأشكال متنوعة. وهنا أشير إلى أن عنف الاحتلال ليس صدفة، بل عنف منهجي يقع بشكل مباشر وغير مباشر على نصف الأسر الفلسطينية، والذي يهدف إلى نزع الأنسنة عن فرائسه.
وفي الحيز الخارجي المحيط، يتعرض خُمْس الطلبة في المدارس وخُمْس الشباب في الشارع إلى أحد أشكال العنف، وبالتالي يقذف الضحايا مخزون عنفهم المركَّب واضطهادهم وجنونهم باتجاه الضعفاء الواقعين في نطاق سيطرتهم وولايتهم، وهم الأطفال والمسنون والنساء والبنات في نطاق أسرهم.
ففي نطاق الأسرة، يتعرض نصف الأطفال وثلث النساء للعنف وما يعادل نسبة 8% من المسنين إلى أحد أشكال العنف الممارس من أحد أفراد الأسرة، ومنها بشكل خاص تعريضهم للإهمال ومنع العلاج. فقد أفادت ثلث المبحوثات المتزوجات في مسح مكتب الإحصاء في العام 2011، تعرضها إلى أحد أشكال العنف من قبل الأزواج، لكن ثلثي المعنفات آثرن الصمت ولم يلجأن إلى أي مصدر من مصادر الحماية، كما اشتكى أكثر من نصف الأطفال تعرضهم للعنف من أحد أفراد الأسرة.
من هنا نعتبر بأن القانون ينبغي أن يأتي أولاً، لأن القانون الذي ينطلق من الواقع ويُنفذ يصنع التغيير، دون أن أقع في تهميش باقي السياسات الضرورية الموازية للقانون التي تشكل مع بعضها محددات الاستراتيجية المنشودة لمناهضة العنف المجتمعي التي تعالج السبب والمسبِّب. لماذا القانون أولاّ، لأن المجرمين وخاصة مرتكبي جرائم قتل النساء يستندون إليه، لتبرير جرائمهم وتخفيف عقوبتهم، وتمرير تحتها جرائم مالية وثأرية.
لماذا القانون أولاً، لأننا نريد القياس على نظرية استبعاد العامل المتهم بتأصيل العنف وتكريسه والمشار إليه بالأصابع العشر، من أجل الوصول إلى العوامل الأخرى المسؤولة والمحفزة للعنف والجريمة، وعلى وجه الخصوص قتل وتعنيف النساء التي أثارت الرأي العام مؤخراً. وفي نظرية الاستبعاد المعطوفة على طريقة الأطباء في استبعادهم التدريجي للاحتمالات المختلفة المسببة للمرض المستعصي، المؤسسة على استبعاد مرض تلو مرض، لوضع اليد على المرض الحقيقي والسبب المسؤول عن زيادة العنف المجتمعي بجميع أشكاله، لإعمال باقي التدخلات وعلى رأسها الاستراتيجية الشاملة التي تمس جميع المحاور التي ينبغي العمل بها.
من تحت الدماء رسائل عديدة لا بد من توجيهها، إلى الأحزاب السياسية والكتل النيابية بأن يتوخوا تجسير الفجوات القائمة بين معتقداتهم ونظرياتهم والتوجه العملي بشجاعة ودفع قانون العقوبات الفلسطيني الخالي من أشكال التمييز ضد المرأة نحو الإقرار والصدور، بالتجاور مع قانون حماية الأسرة، وعدم وضع التعارضات بين الأولويات الوطنية والاجتماعية.
والرسالة قبل الأخيرة إلى المؤسسات النسائية، توخي التنسيق والتكامل مع بعضها لضمان حملة قوية لإصدار القانون، فالفعاليات المشرذمة لا تصب في خدمة الأهداف التي من أجلها نشأت الفكرة. فقرار النزول للشارع ليس بالقرار السهل اتخاذه دون تحضير وتدقيق وصولا للنجاح، فالفعالية الهزيلة توصل رسائل مغلوطة حول تجاوب المجتمع والنساء مع الحملة، وتوصل رسائل مشوشة حول توحد الحركة النسائية والتفافها حول مطلب صدور القانون. وهنا لا بد من التدقيق بالتمييز بين تقييم الفعاليات النسوية قياسا بغيرها، فالفعاليات المنظَّمة للتضامن مع الأسرى، على سبيل المثال، مهما كانت ضامرة، لا تتهم بعدم التفاف المجتمع حول قضيتهم، بينما تتهم الفعاليات النسوية الضامرة بالعزلة وضمور التأييد المجتمعي لقضيتها.. فهلاّ انتبهنا؟!


