مررنا بأنماط السلوك أو أن شئتم التحولات التي غالباً ما تميز ردود فعل البشر كما الأشخاص العاديين، إزاء المصائب أو المآسي او الفواجع الإنسانية العظيمة، وهي الصدمة ثم الشعور بالإنكار لما حدث، عدم التصديق، وأخيراً الشفاء من هذه الصدمة الذي يترافق مع الموقف العقلاني بالقبول بها أو بما حدث.
وقد ولدت شخصيا بعد سبع سنوات على صدمة النكبة في العام 1948، التي تلقاها جيل والدي الذي اضطر للهجرة من قريته دير سنيد، وهو لا يزال في عقده الثالث، ولا زلت الى الآن أذكر كيف كان أصدقاؤه فيما بعد حينما يتذكرون تلك الأوقات العصيبة، في الأشهر الأولى من الهجرة يتندرون في أحاديثهم، وأنا استمع اليهم صبياً وسط تأكيدات والدي ويقينه عن قرب عودتهم، وهو يذهب كل يوم لإحضار الصحيفة.
إن القدرة التي يظهرها الأشخاص كما الشعوب إبان الصدمة الأولى، إنما هي المحك الحقيقي في اختبار جماع الروح الباطنية للامة او الشعوب كما الأفراد العاديين. وإن هذا التماسك او الصلابة هو الذي سيحفر لاحقاً في اللاوعي، الخافية الجمعية تأثيره العميق بل والحاسم في مواصلة رفض الإقرار بالهزيمة او الواقع الجديد، حتى وان بدا الوعي العقلاني فيما بعد يعاكس هذا الشعور الخافي في مكان عميق، هو اللاوعي الإنساني الجمعي أو العقل الباطني المحرك الأكبر للتاريخ.
لم يصدقوا أنهم خرجوا إلى الأبد ولن يعودوا، كما لم يصدق جيلنا نحن الذين ولدنا عند النكبة أو بعدها بقليل ولا الجيل الثالث من الأولاد الفلسطينيين، وإذ يترافق غالبا مع الموقف الإنكاري، ان تغلب على الروح الجماعية نزعة من البطولة الشاعرية او الرومانسية الغنائية، فان هذه الحقبة الوسيطة أو الثانية هي التي تمثل النزعة البطولية لشعب في أبهى صورها الرمزية كما التراجيدية.
إن الغنائية الثورية في الشعر التي يغلب عليها الطابع الرومانسي في البدايات المبكرة من هذه الحقبة، التي ترافق او تمهد لإرهاصات الثورة، سوف تبلغ تصعيدها في الذرى الأخيرة من هذه المرحلة التي تشبه الإعصار، مستوى البناء الملحمي كما في التراجيديات الشعرية الإغريقية، وهي البنية الملحمية التي نلاحظها في قصائد محمود درويش بالتزامن مع خروج الثورة الفلسطينية من لبنان العام 1982، في قصائده المطولة عن بيروت و"مديح الظل العالي "مقارنة مع ديوانه الأول "أوراق الزيتون" العام 1965. وأشعار هارون هاشم رشيد ومعين بسيسو في الخمسينيات، وهي الأشعار الغنائية الى جانب لوحات إسماعيل شموط وروايات غسان كنفاني، كما خطب جورج حبش النارية وأناشيد الثورة الفلسطينية المبكرة، والقداسة الرمزية والبطولية الخارقة بصورة الفدائي، هي ما سيحفر او يؤسس هنا او يختزن في الخافية او اللاوعي، كل هذا القدر من توازن المناعة الجماعية إزاء الاعتراف بالهزيمة أو القبول بالأمر الواقع الجديد والاستسلام.
لقد هزموا واندثروا ولم تقم لهم قائمة فيما بعد والى الآن، اي الهنود الأميركيين الحمر في التجربة الوحيدة الاستثناء في تاريخنا او أزماننا المعاصرة، ببساطة لأنهم لم يكونوا يملكون او يتوفرون على هذه الثقافة، حيث كانوا شعبا على هامش التاريخ ويعيشون خارجه في عزلة، لذا ما كان لهم ان يصمدوا أمام الغزاة البيض الجدد من القادمين من وراء البحار، أما هنا في فلسطين وجنوب إفريقيا فقد كان مقضياً على التجربة بالفشل ولو بعد حين، لأنه ببساطة ما كان في عصر وزمن اكثر تنورا في العالم القبول بما حدث للأفارقة السود في جنوب إفريقيا. وقد لعبت القيم والمعايير والقوانين الأخلاقية للمدنية الحديثة ما فوق القوة، الدور التعويضي أو البديل عن ضعف او تخلف ثقافة الأفارقة السود ربما، ولكن في فلسطين حيث كانت المدن الفلسطينية الساحلية على البحر المتوسط اكثر ازدهارا، او ربما تماثل في ازدهارها العمراني والاقتصادي والثقافي مثيلاتها بيروت والإسكندرية، وحيث التاريخ ما برح يصدر صهيله الذي يصل صداه إلى العالم، فان ما حدث حتى بعد مضي 66 عاماً ما كان له أن يطمس هوية الفلسطينيين، ولا التفوق على ثقافتهم أو امّحاء صورتهم عن أنفسهم.
لقد هزم المشروع الصهيوني عند هذه اللحظة الكاشفة، اي عند ذروة ما بدا أنه نجاح آخر ونادر بل ومدهش على الطريقة الأميركية، فبقيَ المنتصر يشك بانتصاره، ولم يقر أو يسلم الطرف المهزوم افتراضيا بهزيمته وخروجه من الحلبة، وعلى مدى هذه الأعوام الستين لم تهدأ البلاد وظلت طوال الوقت في حروب متواصلة.
لماذا إذن وكيف وتحت تأثير أية ضغوط حدث تحولنا الثالث، من الحقبة البطولية والنكران إلى أن قبلنا أخيراً بعد مسار طويل معقد وتدريجي بما حدث، التسليم بحقيقة وجود إسرائيل والاعتراف بها على حدود العام 1948، وهو مسار يمكن أن نحدد منحنياته الثلاثة على النحو التالي :
1- النقاط العشر أو البرنامج المرحلي كما سمي الذي توصل الى إقراره المجلس الوطني الفلسطيني العام 1974، وكان التحول هنا على المستوى السياسي يتمثل بالموافقة على إقامة السلطة الوطنية على أي جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره، اي القبول بالدولة الفلسطينية في حدود 4 حزيران 1967. ودلالة ذلك على المستوى السياسي إحلال النزعة البراغماتية والواقعية بديلا عن النزعة المثالية والتبشيرية.
2- الاعتراف الذي قدمته منظمة التحرير بقراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338، كشرط لإقامة الحوار بين الإدارة الأميركية والمنظمة.
3- توقيع اتفاقية أوسلو بين ياسر عرفات واسحق رابين في البيت الأبيض في 13 أيلول العام 1993، والتي تضمنت رسائل الاعتراف المتبادل بين المنظمة وإسرائيل.
لقد كانت هذه المحطات الثلاث الرئيسية والحاسمة التي انتهت اخيرا باعترافنا السياسي بإسرائيل، وقد كانت الانعطافة الأولى عام 1974 محاولة للتكيف مع التحول العربي الإقليمي نحو هذه الواقعية. اما الانعطافة الثانية فقد كانت محاولة للاعتراف والإقرار بالشرعية الدولية مدخلا لتدويل حل القضية الفلسطينية، أما الانعطافة الثالثة فهي الجلوس أخيرا على الطاولة للتفاوض مع العدو.
لقد كان هذا تحولا سياسيا بصورة حصرية على الإجمال وتم تحت تأثير دوافع وحسابات سياسية، لتحاشي الفشل بالأساس وليس لتحقيق النجاح، وهكذا يجب ان ننظر الى ما حدث، ذلك ان الإقرار او الاعتراف بإسرائيل في حدود العام 1948، والجلوس الى التفاوض عشرين عاما لاحقا ما كان له ان يحل العقدة الرئيسية في هذا الصراع، وهي المصالحة بين التاريخ والجغرافيا اي الاتفاق على هوية المكان، إعادة الاعتبار لفلسطين التاريخية في مقابل اختراع إسرائيل التوراتية. وفي هذه النقطة لم يكن للاعتراف السياسي الفلسطيني بالأمر الواقع سوى التعامل مع هذا الأمر الواقع، ولكن دون ان يمثل هذا الإقرار بأي حال المصادقة او الموافقة على الرواية الإسرائيلية، بما يمس او يخترق او يخلخل او يغير الموقف الثقافي.
ان الجدل الذي سوف ينخرط فيه الفلسطينيون من بيروت الى فلسطين على مدى العقود الأربعة الماضية، اي منذ انعطافة العام 1974، انما يؤشر الى هذه الدلالة والتي تتلخص في انه للسياسي الحق في ممارسة هامش المناورة، ولكن للثقافي ان يقوم بمواصلة دوره كحارس للوعي الجمعي الفلسطيني. وهو الجدل الذي يجد في كل مرة انعطافا موازيا له في هذا التكرار والتواصل التاريخي، من تبادل الدور من لدن الحركات او الأحزاب الأيدلوجية، للحفاظ على هذا التوازن الذي يقتضي التسليم بالأمر الواقع وممارسة ما يسمى بالرفض الأيدلوجي والسياسي، لنهج المساومة أو الاعتراف بإسرائيل، الجبهة الشعبية العام 1974 في المنفى، وحماس العام 1993 في الداخل.
ولقد كانت هذه المتوالية التعاقبية في إعادة إنتاج الشعب لقواه ونخبه القيادية والسياسية المتنوعة، انعكاسا وتجسيدا لسلامة وخصوبة وعافية وقوة هذه الروح الباطنية الجمعية، في رفضها التسليم بما حدث على محور التاريخ أو الزمن. هنا لم تتم عملية تحطيم قدرة هذا العقل الباطني على معاودة إعادة إنتاج النخب التي تستطيع تجديد الحلم العظيم، باستعادة فلسطين التاريخية من رماد الواقع. وبهذا المعنى لئن اقر الفلسطينيون واعترفوا بإسرائيل على مستوى العقل السياسي او المنطق العملاني لإدارة الصراع، وهو ما يوازي الجزء الأيسر من هذا العقل، الا انهم في الجزء الأيمن الموازي لم يقروا بحقيقة ان ما حدث في النكبة عام 1948 بمثابة الحقيقة النهائية او نهاية التاريخ.
ولذا يبدو اليوم اكثر من اي وقت مضى ان السلام الحقيقي في فلسطين لا يمكن إتمامه دون إجراء هذه المصالحة بين الذاكرة، التاريخ والجغرافية، وأحداث هذه العملية من إعادة تنقية الذاكرة وهو ما يعني الولوج من الممر أو الخيار الحتمي الإجباري، القاضي بتحقيق المصارحة والحقيقة على غرار ما حدث في جنوب إفريقيا، وصولا الى الإقرار بالخطأ التاريخي الذي ارتكب بحق الشعب الفلسطيني وإصلاح ما حدث في العام 1948، وإلا فإن السجال بيننا وبينهم لن ينتهي مهما طال الزمن.


