في مثل هذه الأيام من العام 1948 كان أجدادنا وآباؤنا وأمهاتنا يغادرون ديارهم قسراً تحت نيران العصابات الصهيونية، معتقدين أن الحديث يدور عن أيام أو أسابيع للعودة إلى منازلهم ومزارعهم.. وعلى الرغم من الاعتقاد الراسخ دون شك، فإن رحلة التهجير تجاوزت عامها السادس والستين دون أن يؤثر ذلك على تجذر الاعتقاد بالعودة كحق شرعي.
منذ العام 1948 وقادة الاحتلال يحاولون بكل السبل نفي فعل النكبة، وطمسها من التاريخ والذاكرة الفلسطينية والإنسانية... مستخدمين كل الوسائل الممكنة ومن بينها آلة الإعلام الصهيونية المتنفذة في كل أنحاء العالم... واللعب على وتر الرواية التوراتية... ومحاولة تغييب الوعي الفلسطيني.
ولعلّ التصريحات المتعاقبة لكثير من قادة الاحتلال ومراهنتهم على مسح الذاكرة الفلسطينية على قاعدة أن الكبار يموتون والصغار ينسون قد فشلت تماماً... لأن الذين يموتون يورثون الصغار تفاصيل النكبة كلها وحقهم غير القابل للتنازل أو النسيان، ويؤكدون ذلك حتى وهم على فراش الموت... وليس أبلغ من ذلك مجمل الوصايا للذين فارقوا الحياة والتي يطالبون فيها بحق عودة رفاتهم إلى مقابر المدن والقرى التي هُجِّروا منها... إذن هي مطالب لا تستثني الرفات حتى، فكيف بالنسيان إذن؟
وفي الوقت الذي يراهن فيه قادة الاحتلال على الزمن، فإن مراهنتنا، أيضاً، تأتي في سياق النظرية التاريخية المؤكدة أن الدول المحتلة أو الغازية لها دورة حياة تبدأ بمرحلة النشوء ثم القوة ثم الانهيار التدريجي... هذا ليس تخيلاً بل اعتقاد راسخ بأن فلسطين هي فلسطين لجميع مكوّناتها دون استثناء سواء أكانوا عرباً أم مسلمين أم مسيحيين أم يهود، فلا علاقة للدين بالوطن. هكذا كانت قبل العام 1948 وهكذا ستعود يوماً ما...
ربما يتساءل البعض: هل حقاً أن ذاكرة النكبة غير قابلة لفعل النسيان؟ الإجابة عن ذلك: نعم. لأنه حتى الجيل الخامس من أبناء اللاجئين اليوم والذين هم في الصفوف الابتدائية أو في رياض الأطفال بمجرد سؤالهم عن بلدهم، تكون الإجابة فورية ودون تردد بأنهم من قرية أو مدينة كذا في الجليل أو المثلث أو النقب... هم أبناء لاجئين متمسكون بحق العودة إلى قراهم وإلى أراضيهم... .
أيضاً، التاريخ الشفوي الذي نقل ووثّق... وأوراق الملكية (الطابو) ومفاتيح البيوت، وتفاصيل الشوارع والحارات كلها تبقى جزءاً مهماً من الذاكرة التي ليست للنسيان بالمطلق.
الاحتلال يعتمد في رفضه حق العودة على قوته العسكرية ومراهنته على ضعف الفلسطينيين وتمزق العالم العربي.. ولكن حتى مبدأ القوة متغير، ولا نعرف كيف ستكون موازين القوى بعد سنوات أو عقود، وماذا سيكون شكل المنطقة... ولكن المهم في كل ذلك أن جدّي ووالدي ـ رحمهما الله ـ غرسا شريحة ذاكرة كاملة في عقولنا وقلوبنا... ونحن بدورنا نغرسها اليوم في فكر ووجدان أطفالنا... وليس منا من لا يذكر لحظات العذاب والقهر التي عاشها كل لاجئ فلسطيني سلبت أرضه وكرامته في يوم ما... وليس منا من لا يعتقد جازماً بحق العودة وفعلها الحقيقي في يوم ما.
abnajjarquds@gmail.com


