حينما أطاحت المعارضة الأوكرانية بالرئيس المخلوع يانوكوفيتش، واستولت على السلطة وأصبح الأخير في صف المعارضة هارباً من بلده، بعث الرئيس السوري بشار الأسد برسالة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، يقول فيها إنه ليس يانوكوفيتش.
الأسد أراد من هذه الرسالة التأكيد على أنه لن يرحل عن السلطة مهما كلفه ذلك من ثمن كبير، وأن نظامه متماسك وثابت على مختلف المستويات، السياسية والميدانية، وهي رسالة ربما ليست مرتبطة ببوتين فقط، بقدر ما أنها رسالة للجميع أن النظام السوري متحصن وواقف على أرضية صلبة.
والحقيقة أن رسالة الأسد تعكس واقعاً فعلياً، لأن دولاً عربية أصابها الربيع العربي، انهارت أنظمتها كما حصل مع تونس ومصر وليبيا التي اختار زعيمها القذافي أزلامه بعناية فائقة، ومع ذلك كان كثير منهم أول من هرب وانضم إلى المعارضة، إلى أن طار النظام.
القصد من هذا أن الوضع السوري مختلف كثيراً عن باقي دول الربيع العربي، نظراً لأن سورية أصابتها بدايةً الاضطرابات والتظاهرات السلمية، التي سرعان ما تحولت من المربع السلمي إلى نظيره العسكري وإلى بروز جماعات مسلحة لم تعد فقط سورية صافية مائة بالمائة، إنما انضمت إليها جماعات من كل حدب وصوب.
كان يمكن للنظام السوري أن يستنزف كل مقومات الصمود لو كانت المعارضة وطنية تواظب على التظاهرات السلمية، لكن التحول الدراماتيكي في طبيعة النزاع على الأرض، أكسب النظام رصيداً شعبياً وجعل من بنيته متماسكة على حساب تشتت المعارضة وارتهان الكثير من جماعاتها للغرب ولدول مختلفة.
ثم إن الوقفة الروسية بـ "الباع والذراع" كان لها حساباتها الكثيرة التي أثرت إيجاباً على قوة النظام السوري، وهذا أمر مفروغ منه ولا أحد يمكنه التهرب من أن صمود سورية لا يقتصر فقط على تماسك النظام من الداخل، بل يتجاوز ذلك إلى الدعم الذي حصلت عليه الحكومة السورية من روسيا والصين وإيران وحزب الله.
ربما يشعر الرئيس بشار الأسد أنه من الضروري إعادة ترشحه لرئاسة سورية لأسباب كثيرة، أولها أن النظام دفع الكثير حتى يحافظ على هيبته ولا يقع فريسةً للمعارضة، والأمر الثاني أن الأخيرة بتشتتها وارتباط أجندتها بالغرب، حسنت من موقف النظام أمام جمهوره، الأمر الذي ربما دفع الأسد لإعادة انتخاب نفسه، في ظل عدم توفر بديل لقيادة سورية.
الآن هناك محاولة لاستثمار النزاع المسلح وفشل الحل السياسي إلى إعادة إنتاج النظام السوري عبر الوسائل الديمقراطية، وعبر إجراء الانتخابات التي تعقد أوائل شهر حزيران المقبل، وسط اشتداد للنزاع مع المعارضة وتفوق نسبي للقوات الحكومية وسيطرتها على مناطق كانت في السابق تحت إمرة المعارضة.
ويبدو في الأفق تحركات ومساعٍ سريعة لإحداث نقلات نوعية في موازين القوى الداخلية، في ظل غياب التوافق الدولي وإدارة كل لاعب منخرط في النزاع السوري، الظهر للطرف الآخر، ففي حين استقال المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي من منصبه رسمياً، فإن ذلك يعني بالتأكيد أن الحل السياسي قد فشل، وهو فاشل أقله في المرحلة الحالية.
وحالياً تسعى المعارضة السورية التي ربما لن تتمكن من تعزيز وجودها على حساب النظام السوري، نقول هذه المعارضة تسعى للحصول على دعم قوي من الغرب، فهذا أحمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض الذي التقى مؤخراً بالرئيس الأميركي باراك أوباما، لم يحصل على الدعم الذي يريده.
الجربا كان يطمح بالحصول على أسلحة قوية وفتاكة وتغير في موازين القوى الداخلية، ولم تأت مخرجات اجتماعه مع أوباما على أي من المساعدات العسكرية، الأمر الذي يعني أن واشنطن متخوفة جداً من موضوع تزويد المعارضة بالسلاح الفتاك، وهي لن تفعل ذلك.
ولعل الاستراتيجية الأميركية تستهدف إطالة أمد النزاع السوري ورفع الكلف إلى مداها الأقصى، نحو تدمير سورية بشكل كامل، والمساهمة في إعادة بنائها وفتح السوق أمام الصادرات الأميركية، وهذا يبدو أنه استراتيجية جديدة في ضوء عدم قدرة الولايات المتحدة على حسم النزاع، والأهم تحوطها من المعارضة السورية المتطرفة التي باتت تنظر إليها بعين القلق والريبة.
حتماً سيحصل الجربا على التأييد والدعم الأميركي والأموال التي تمكّن المعارضة من الصمود أمام قوات النظام السوري، ومجموعة أصدقاء سورية تقدم الدعم الذي يبقي المعارضة المعتدلة في تنفس دائم، لكن لم تتبن ولا دولة قراراً بإرسال أسلحة من شأنها أن تقلب موازين القوى لصالح الجيش الحر والجماعات الأخرى المعتدلة.
وتشعر عدد من دول مجموعة أصدقاء سورية، بالقلق الشديد نتيجة ذهاب مقاتلين من أبنائها وانخراطهم مع الجماعات المتطرفة ضد النظام السوري، وبات يشكل هذا بالنسبة لها هاجساً وتحدياً أمنياً قد ينعكس عليها سلباً في حال عاد هؤلاء إلى بلدانهم.
هذا يعني أن مجموعة أصدقاء سورية تمشي على الخطى الأميركية، بحيث أنها تقدم الدعم السياسي والعسكري للمعارضة المعتدلة، وتبقيها صامدة أمام غريمها القوات النظامية السورية، ولا يبدو في الأفق الحالي أن هناك مسارا للسياسة، بل هو الميدان عنوان النزاع الحاضر كل الوقت.
السؤال المطروح الآن: ماذا يعني انتخاب الأسد لرئاسة الدولة من جديد؟ ربما لن يغير ترشح الرجل وانتخابه شيئاً من الواقع، خصوصاً وأن روسيا تنظر إلى هذا الأمر باعتباره شأناً داخلياً وحالة طبيعية، في حين تندد الولايات المتحدة بهذا الإجراء وتعتبر الأسد رئيساً غير شرعي.
قبل ترشح الأسد تنظر المعارضة ولا تزال تعتبر الأول فقداً للشرعية، وكذلك الحال الدول الكبرى المنخرطة في النزاع، وبعد الانتخابات لن يتغير هذا المضمون، وسيبقى النزاع على أشده، إلى جانب أن استقالة الإبراهيمي تحمل دلالة على أن الأجواء الحالية غير مهيأة لاستقبال أو استكمال المسار السياسي.
وعليه فإن السيناريو الأفضل وربما الأنسب لهذا الوضع القائم، يتصل باستمرار النزاع السوري العسكري، لأن التعويل على الحل السياسي أمر غير قائم في هذه المرحلة، لكن الفاتورة الوحيدة التي يدفع ثمنها هو الشعب السوري الذي فقد 150 ألفاً من أبنائه ودماراً في بلد كان حضناً للاجئين من مختلف الدول المجاورة، وصار اليوم ربما الأكثر من بين دول العالم نزوحاً للسوريين.
Hokal79@hotmail.com


