خبر : بوكو حرام .. تطرف القاعدة وجهل التكفير والهجرة ...بقلم : د . وليد القططي

الأربعاء 14 مايو 2014 07:44 م / بتوقيت القدس +2GMT
بوكو حرام .. تطرف القاعدة وجهل التكفير والهجرة ...بقلم : د . وليد القططي




شكلت حادثة اختطاف جماعة ( بوكو حرام ) أكثر من مائتي طالبة نيجيرية صدمة للإنسانية جمعاء , وزاد من عمق هذه الصدمة ما تبع عملية الاختطاف من إعلان زعيم الجماعة ( أبو بكر محمد شيكاو ) عبر تسجيل مرئي مسؤولية الجماعة عن حادثة الاختطاف , وإنه سيتم معاملة الطالبات المخطوفات على أنهن سبايا توّزع على المقاتلين , وإنه سيتم بيع من بلغت منهن التاسعة من العمر , وأن ذلك كله سيتم وفقاً للشريعة الإسلامية . وسواء تم ذلك بالفعل أو لم يتم , فالنتيجة واحدة من تراكم الصورة السلبية للإسلام نتيجة لما تقوم به بعض الجماعات المنتسبة للإسلام ذات التوّجه الفكري المتطرف النابع من مركب الجهل والتطرف في فهم الدين الإسلامي , وفي ظل انخفاض صوت الإسلام الحقيقي الوسطي المعتدل , وتراجع دور العلماء الذين يمثلون التيار المركزي للإسلام أمام الإرهاب الفكري لدعاة التطرف .
وتُعتبر جريمة اختطاف الطالبات إضافة للجرائم الأخرى التي ارتكبتها الجماعة ومنها مذابح نفُذت ضد طلاب أبرياء إفراز طبيعي لأيديولوجية هذه الجماعة التي تستند على منظومة فكرية يسودها التطرف والجهل بعيدة عن الفهم الصحيح للإسلام القائم على الاعتدال والعلم , وهذه المنظومة الفكرية مستقاة بدورها من مدرستين فكريتين هما الأشد تطرفاً في حركات ما يُعرف بالإسلام السياسي وهما القاعدة أو ما يُعرف بالسلفية الجهادية , والتكفير والهجرة أو تُعرف بجماعة المسلمين . وبالتالي فجماعة ( بوكو حرام ) جمعت بين تطرف القاعدة وجهل التكفير والهجرة , وهذا لا يعني استثناء الأسباب الموضوعية لنشأة الجماعة والنابعة من الاضطهاد الذي يتعّرض له المسلمين في نيجيريا وهم يشكلون نصف السكان أو أكثر من ذلك بقليل بعد أن كانوا يشكلون غالبية السكان قبل حملات التنصير طوال عشرات السنين لا سيما في الولايات الجنوبية لنيجيريا التي يقل فيها عدد المسلمين , وكذلك إذا أضفنا تراكم مظاهر الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي والفقر والبطالة التي طالت المسلمين أكثر من غيرهم .
ولقد نشأت جماعة ( بوكو حرام ) في شمال نيجيريا – حيث الأكثرية المسلمة – عام 2002 على يد مؤسسها ( محمد يوسف ) الذي تلقى علوم الدين على يد والده – معلم الكُتّاب – وعلى يد دعاة آخرين بعد أن ترك التعليم الرسمي الحكومي هو ومجموعة من الطلاب ليشكلوا نواة الجماعة التي أطلقوا عليها اسم ( جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد ) , غير أن اسم ( بوكو حرام ) هو الذي غلب عليها , وهي كلمة مركبة من لغة قبائل ( الهوسا ) المسلمة واللغة العربية ليصبح معناها الحرفي ( التعليم الغربي حرام ) لأنهم اشتهروا برفض التعليم الحكومي القائم على النط الغربي , وأعلنوا عن هدفهم المركزي في إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية في كل ولايات نيجيريا , مع أنه يُطبق في معظم الولايات الشمالية ذات الغالبية المسلمة بشكل أو بآخر . ولقد بدأ الوجود الفعلي للجماعة عام 2004 بعد انتقال الجماعة إلى ولاية ( يوبي ) على الحدود مع النيجر حيث أقاموا قاعدة لهم في قرية ( كاناما ) , واتخذوها منطلقاً لعملياتهم المسلحة ضد الجيش النيجيري والمراكز الحكومية والأهداف المسيحية , مما أدى بالجيش إلى شن حملة شرسة ضد الجماعة عام 2009 قُتل فيها المئات من المقاتلين والأبرياء , وانتهت باعتقال زعيم الجماعة ( محمد يوسف ) ومن ثم إعدامه ميدانياً , فخلفه في زعامة الجماعة تلميذه ( أبو بكر محمد شيكاو ) , الذي نجح في استعادة نشاط الجماعة العسكري الذي توّج بعملية الاختطاف الأخيرة .
وعملية الاختطاف لأكثر من مائتي طالبة نيجيرية من المسلمات والمسيحيات , ثم الإعلان عن بيع بعضهن واتخاذ البعض الآخر منهن سبايا توّزع على المقاتلين , ثم زيادة الطين بلة القول بأن ذلك كله سيتم وفقاً للشريعة الإسلامية , يدل بشكل واضح على جهل بحقائق الدين , وتطرف في فهم النصوص , وجمود عطلّ اجتهاد العقل وطمس على بصيرة القلب , وهو يشير إلى التقاء مدرستين متطرفتين استقتا فكرهما من أكثر الاتجاهات الفكرية تطرفاً وجموداً في التراث الإسلامي وتركت الاتجاه الفكري المركزي لعلماء الأمة من الذي يحافظون على قيمّ الوحدة والتوحيد والتجديد وإحدى هاتين المدرستين هما : القاعدة أو ما يُعرف بالسلفية الجهادية التي تُعتبر شكلاً من أشكال السلفية الوهابية أو أحد فروعها المنتشرة في العالم الإسلامي , وقد دخلت إلى نيجيريا – كغيرها من البلاد الأفريقية – عبر الشمال الأفريقي العربي الذي انتشر فيه الفكر السلفي القادم من الجزيرة العربية بقوة البترودولار وذلك على حساب كل من المذهــب المالكـــي في مجال الفقه , والمــــذهب الأشعري في مجال العقيدة .
والغريب أن الدين الإسلامي قد انتشر في أفريقيا السمراء جنوب الصحراء بفعل الدور الريادي لمدرستين فكريتين تعتبرهما السلفية نقيضاً لها وهما الطرق الصوفية لا سيما القادرية والتيجانية والسنوسية , عبر الدعاة وإنشاء المساجد والزوايا والمدارس وشراء ( العبيد ) وتعليمهم الإسلام ثم تحريرهم وإرسالهم لبلادهم للدعوة إلى الله . وكذلك دور الأزهر حديثاً عبر الطلاب الأفارقة الوافدين , إضافة لدور التجار الدعوي , والهجرات العربية المتكررة خاصة لشرق أفريقيا . وأما المدرسة الأخرى فهي التكفير والهجرة المعروفة لدى أصحابها باسم جماعة المسلمين , وهي جماعة مصرية في نشأتها , حيث انبثقت من سجون المرحلة الناصرية في موجة القمع الثانية للإخوان المسلمين في منتصف الستينات عندما انشقت مجموعة من الإخوان المسلمين عن الجماعة الأم على رأسهم ( شكري مصطفى ) تحت ضغط التعذيب الوحشي في سجون النظام الناصري , ومتأثرين ببعض أفكار ( سيد قطب ) لا سيما مواضيع تكفير الحكام والمجتمع الجاهلي والعزلة الشعورية , فصاغوا منها عقيدة التكفير والهجرة التي تعني تكفير الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام والمحكومين الذين يرضون بحكمهم والعلماء الذين لا يكفرونهم , والهجرة المكانية والشعورية التي تعني اعتزال المجتمع الكافر وبناء مجتمع إسلامي جديد في مكان آخر .
ولقد التقت هاتين المدرستين الفكريتين – السلفية والتكفيرية – في المنظومة الفكرية لجماعة ( بوكو حرام ) فأنتجتا أيديولوجية أشد تطرفاً منهما , وزادت عليهما في كمية الجهل التي تميزت به في فهم النصوص الشرعية , كما هو واضح من تفسيرها لمفهوم ( السبي ) ودور المرأة في المجتمع . وكما هو واضح من تطبيقها لعقيدة التكفير والهجرة عام 2004 عندما هاجر زعيم الجماعة مع مائتين من أنصاره وزوجاتهم وأبنائهم إلى قرية ( كاناما ) لبناء مجتمعهم الجديد , إضافة لتبنيهم عقيدة الفرقة الناجية الوحيدة التي تتميز بها جميع الحركات الأحادية الرؤية والإقصائية التوّجه والرافضة للآخر المختلف , وكذلك رفض التعليم الرسمي القائم على النظام الغربي برمته والمطالبة بالعودة إلى نمط الكتّاب القديم كما هو واضح من اسم الجماعة الذي اُشتهرت به وهو ( بوكو حرام ) وذلك بدلاً من العمل على إصلاحه . فضلاً عن الفكر التكفيري الذي تتفق على أصوله المدرستين مع اختلافهما في الفروع ... إلى غير ذلك من الأفكار التي تتطلب أن يكون لعلماء المسلمين المعتدلين – وهم الغالبية – والحركات الإسلامية الوسطية – وهم الأكثرية – دوراً فاعلاً في تقديم نموذج مشرق للإسلام أمام أبنائه وأمام الآخرين حتى يعود الناس ليدخلوا في دين الله أفواجاً بدلاً من تنفيرهم من الإسلام وإخراجهم منه أفواجاً .