حَبس الكثير من الاسرائيليين انفاسهم قبل ان ينطق القاضي دافييد روزين قرار الحكم على رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود اولمرت بالحبس الفعلي لمدة ستة سنوات و غرامة مالية بمليون شيقل، لتشكل سابقة قضائية في اسرائيل حيث لاول مرة يتم فيها ادخال رئيس وزراء للسجن بعد ان ادخلت رئيس دولة و العديد من الوزراء الاخرين. هذا القرار هو تأكيد آخر على ان السلطة القضائية في اسرائيل تتمتع باستقلالية كاملة في ظل الفصل التام بين السلطات الثلاث التشريعية و التنفيذية و القضائية و في ظل الحرية شبه المطلقة للسلطة الرابعة و هي الصحافة.
في اسرائيل هناك في حقيقة الامر نظامين قضائيين، الاول للاسرائيليين، وخاصة اليهود منهم، وهذا النظام يتمتع باستقلالية و نزاهه و شفافية ، بعيد عن الفساد و المحسوبية الى درجة عالية جدا، و نظام قضائي آخر، تطبقة اسرائيل على الشعب الفلسطيني و هو ليس له علاقة بكل ما ذكر اعلا. ليس له علاقة بديمقراطية او فصل بين السلطات ، يستند بالدرجة الاساسية على قوانين الطوارئ للانتداب البريطاني منذ العام 1945 اضافة الى الاوامر العسكرية التي يصدرها الجيش الاسرائيلي لتعزيز احتلاله للاراضي الفلسطينية.
المراقبون ، الذين يتابعون الشأن الاسرائيلي بشكل سطحي قد يكون لديهم تفسيرات جاهزة لزج اولمرت في السجن لها علقة بنظرية المؤامرة، كأن يقال على سبيل المثال ان ارساله للسجن هو بهدف التخلص منه لهذا السبب او ذاك، وقد يعطون تفسيرا لذلك بأن الهدف هو عقابة على فشله في حرب لبنان او لاستعدادة لتقديم تنازلات للرئيس عباس خلال مفاوضات انابولس عام 2008، و قد يكون هناك تفسيرات اخرى جميعها يفتقر الى فهم طبيعة النظام السياسي في اسرائيل الذي يعطي القوة لقاضي بأن يحكم بالسجن الفعلي على رئيس وزراء و رئيس دولة و وزراء و رؤساء اجهزة امنية و ضباط كبار في الجيش دون ان يخشى على حياته او منصبة .
في اسرائيل هناك منظومة كاملة من القوانين و الضوابط التي تعطي كل سلطة من السلطات ما يكفي من الصلاحيات و القوة و الاستقلالية تجعل من الجميع متساوين امام القانون دون تمييز. كل دولة تستطيع ان تدعي انها دولة ديموقراطية و ان لديها فصل بين السلطات و لديها نظام قضائي مستقل و لديها صحافة حرة و دستورها او قانونها الاساسي قائم على اساس الفصل بين السلطات، و لكن في حقيقة الامر و على ارض الواقع ما يقال شيء و ما يحدث هو شيء آخر مخالف.
الذي يجعل النظام السياسي في اسرائيل قادر على وضع رئيس ورئيس وزراء ، ويجعل الجميع سواسية امام القانون هو التالي:
اولا: استقلالية القضاء
تبدء استقلالية القضاء في اسرائيل من الالية التي يتم فيها تعيين القضاة سواء كان للمحكمة العليا او المحاكم الاخرى، حيث يتم اختيار القضاة من قبل لجنة مختصة وفقا للقانون ووفقا لاليات ومعايير وشروط محددة . آلية الاختيار هي احد اسرار استقلالية النظام القضائي . تركيبة اللجنة التي تختار القضاة لا تعطي مجال للمزاجية و لا تعطي فرصة للسلطة التنفيذية او من يقف على رأسها للتأثير على قرارات اللجنة حيث تتكون من وزير العدل الذي يكون رئيسا لهذه اللجنة ووزير آخر تختارة الحكومة، اثنان من اعضاء الكنيست وفقا للتقليد واحد من المعارضة و الاخر موالي لها، اثنان ترشحهم نقابة المحامين من اعضاءها على ان يمثلوا الكتلتين الكبيرتين و رئيس المحكمة العليا و معه اثنان من القضاء يتم استبدالهم كل ثلاث سنوات حيث يتم اختيارهم في الغالب حسب الاقدمية.
تركيبة اللجنة بهذا الشكل التي يوجد فيها تمثيل للسلطة التنفيذية المتمثلة بوزراء و السلطة التشريعية المتمثلة باعضاء الكنيست و السلطة القضائية المتمثلة برئيس المحكمة العليا و قضاة اخرين اضافة الى نقابة المحامين يضمن درجة عالية من النزاهة و الشفافية التي تضمن بالتالي الالتزام بالشروط و المعايير التي يجب ان تتوفر بالقاضي وفقا لمجال اختصاصة. على سبيل المثال لمن يريد ان يترشح لقاضي في المحكمة العليا في اسرائيل يجب ان يكون قد عمل لمدة سبع سنوات في المحكمة المركزية التي هي ادنى درجة من العليا او يجب ان يكون قد مارس مهنة المحاماة و مسجل في نقابة المحامين لمدة عشر سنوات على الاقل. لا يوجد لديهم واسطة يمكن ان تسمح لان يعين قاضي في المحكمة العليا لا تنطبق عليه هذه الشروط.
ثانيا: جهاز مراقب الدولة
منصب مراقب الدولة في اسرائيل ايضا يعتبر من اهم المناصب التي تضمن رقابة فاعلة على عمل السلطة التنفيذية و السلطات المحلية في اسرائيل. حيث يتمتع مراقب الدولة بصلاحيات كاملة في مراقبة كل اجهزة الدولة من مؤسسات حكومية مختلفة اضافة الى المؤسسات الامنية و كذلك مؤسسات الحكم المحلي.
لكي لا يكون هناك تأثير من قبل السلطة التنفيذية التي يراقب عملها يتم تعيين مراقب الدولة من الكنيست مباشرة و ليس من الحكومة بما في ذلك تحديد راتبة الذي يزيد عن العشرين الف دولار شهريا، وكذلك يتم تحديد عدد و موازنة و رواتب الطواقم التي تعمل معه. مراقب الدولة يستطيع ان يدخل اي مكتب حكومي او يطلب الاطلاع على كل ما يشاء من اوراق او مستندات او قرارات و يسجل ملاحظاته التي يقدمها في تقرير مفصل للكنيست مباشرة.
ثالثا و اخيرا : حرية الصحافة
في كل ما يتعلق بالشأن الاسرائيلي الداخلي هناك حرية شبه مطلقة للعمل الصحفي في اسرائيل. الصحافة لديهم لا تجيد مهنة القص و اللصق،تعتمد اكثر على الحصول على المعلومة من مصادرها و تعتمد اكثر على اجراء التحقيقات الصحفية. هذا لا يعني انه لا يوجد لديهم صحافة حزبية او صحافة صفراء، هناك صحافة حزبية و هناك صحف حزبية و هناك صحفيين حزبيين و لديهم ما يكفي ممن يجيدون التملق ومسح الجوخ، و لكن في نفس الوقت لديهم ما يكفي من مؤسسات صحفية و صحفيين يتمتعون بأستقلالية و مهنية كاملة و محميين بقوة القانون. لذلك، ليس من المستغرب ان كل القضايا الكبيرة التي تم كشفها و التي ادت الى اسقاط حكومات و رؤساء وزارات و ادخلت جزء منهم للمعتقل، كانت بالدرجة الاساسية هي نتيجة عمل صحفي مهني بعيدا عن الحزبية و بعيدا عن تأثير السلطة التنفيذية او الخوف من اجهزتها الامنية.الصحافة في اسرائيل في كل ما يتعلق بشأنهم الداخلي تعمل كما يجب ان تعمل كسلطة رابعة يحسب لها الف حساب .
هذا التكامل و التناغم بين السلطات الثلاث اضافة الى الصحافة الحرة هو الذي يجعل من الجهاز القضائي في اسرائيل قادر بكل استقلالية ان يصدر حكما بالسجن الفعلي بحق رئيس وزراء او رئيس دولة و يجعل اسرائيل على الرغم من كونها دولة احتلال تخترق القانون الدولي بشكل يومي و تقهر الفلسطيني بقوانينها العنصرية ان تفتخر هي بقوانينها و نظامها السياسي التي وضعته لنفسها، حيث ما حدث في اسرائيل امس لا يحدث كثيرا في العالم.
Dr.sufianz@gmail.com


