خبر : الأمن: مستقبل غزة والقضية بعد المصالحة ...اشرف العجرمي

الأربعاء 14 مايو 2014 08:18 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الأمن: مستقبل غزة والقضية بعد المصالحة ...اشرف العجرمي



على فرض أن المصالحة الوطنية التي تم إنجاز الاتفاق بشأنها ستتم كما هو مخطط لها انطلاقاً من مصلحة كل الأطراف الفلسطينية ذات العلاقة بهذا الملف، وعلى فرض أن حكومة المستقلين المؤقتة ستشكل حتى نهاية هذا الشهر، ينبغي التخطيط لإجراء تغيير جوهري في وضع قطاع غزة في مختلف المجالات والمناحي وعدم الانشغال في بورصة الأسماء والترويج الفج والمكشوف لبعض المستوزرين، وعدم ترك الموضوع فقط للحكومة العتيدة التي ستكون أضعف من أن تقوم بإجراء التغييرات المطلوبة لوحدها بدون خطة عامة تشارك فيها الفصائل والمجتمع الفلسطيني بأسره.

الموقف الأوروبي من حكومة التوافق الوطني إيجابي ويساعد على انجاح المصالحة، فقد صدر عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أول من أمس، بيان يؤكد دعم أوروبا لحكومة المستقلين طالما كانت ملتزمة بالموقف العام للسلطة أي الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقات الموقعة، وهذا عملياً ما سيحدث فهذه حكومة الرئيس أبو مازن وهي تسير على برنامجه بغض النظر عن الأشخاص الذين سيشكلونها.
وهنا على الأقل تعهد أوروبي بدعم الحكومة، وهذا على الأغلب هو لسان حال الدول العربية التي عبرت صراحة عن دعمها للمصالحة ووقوفها إلى جانب القيادة والشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من تهديدات إسرائيل وعقوباتها التي بدأت فيها لا يبدو أن الأخيرة ستكون قادرة على حجز أموال الضرائب الفلسطينية لفترة طويلة، وسرعان ما ستجد نفسها في مأزق سياسي على الصعيد الدولي، ولكن هذه المسألة وغيرها ستكون مرتبطة بالأداء الفلسطيني ما بعد تشكيل حكومة التوافق الوطني.
هناك مجموعة من المسائل التي ينبغي التوصل إلى اتفاق بشأن معالجتها حتى يتحول ملف المصالحة إلى رافعة لتحقيق المصلحة الوطنية وليس إضافة مشكلات وأعباء جديدة على كاهل السلطة والمواطنين، وهذه المسائل جرى التطرق لها في الحوارات التي سبقت اتفاقات مكة والقاهرة والدوحة وأخيراً غزة، فعدا عن مشكلات الكهرباء والماء وهي من المسائل الملحة التي تحتاج لعلاج فوري وعاجل، ومشكلة الحصار الاقتصادي وحرية الحركة من وإلى قطاع غزة، هناك مشكلتان لهما أقوى الأثر على مستقبل القطاع والقضية هما: الأمن وإعمار غزة، وهما مرتبطتان ببعضهما البعض وتشكلان تحدياً للسلطة وللكل الوطني.
والأمن في غزة الذي ترك لمرحلة لاحقة يعتبر من أهم التحديات التي تواجه شعبنا، والأمن هنا ليس فقط الأمن الشخصي للمواطن بل وكذلك الأمن الوطني الذي يصون ويحمي مقدرات الشعب من بنية تحتية واقتصاد وأمان اجتماعي.
وهذا الموضوع له انعكاسات كثيرة محلياً وإقليمياً وحتى دولياً، وإذا لم يعالج بحكمة ووعي سنعود سريعاً إلى المربع الأول أو مربع الصفر ونخسر كل ما حققناه وسنحققه قبل وبعد المصالحة، ومن المهم فهم أبعاد الأمن وتشابكاته حتى تتم معالجته بصورة صحيحة. فالبعد الأول المحلي مرتبط بإنهاء كافة المظاهر المسلحة وإخراج عامل القوة المسلحة من إدارة شؤون قطاع غزة بحيث تكون قوات الأمن التابعة للسلطة هي القوة الوحيدة التي يحق لها معالجة أمور الناس والتصدي لكل مظاهر الفوضى والتعدي على القانون ومصالح المواطنين، وهذا لا يتم إلا بقرار وطني جريء تتخذه كل الفصائل وخاصة التي تملك أسلحة ومسلحين بأعداد كبيرة. وكل القضايا والمشكلات يمكن أن تحل بالقانون والتوافق الوطني بعيدا عن استعراض القوة أو استخدامها، وهذا مهم لتكريس سلطة القانون وأيضاً لإظهار صورة حضارية مشرفة للشعب والسلطة الوطنية في الساحتين الإقليمية والدولية، بحيث يظهر الشعب الفلسطيني قدرته على إدارة دولة مستقلة كاملة السيادة ويشجع الدعم الدولي له ولحقه في التخلص من الاحتلال والحصول على حريته واستقلاله.
الجانب الآخر من الأمن هو المتعلق بالإقليم سواء إسرائيل أو مصر أو دول أخرى، فإسرائيل تعارض المصالحة وستسعى بكل طاقاتها من أجل افشالها، وقد يكون المدخل لذلك هو شن حرب على غزة وتدمير كل شيء هناك وتعجيز الحكومة الفلسطينية في إدارة القطاع وتلبية حاجات سكانه.
قد نتفق أو نختلف حول ما حققه العمل المسلح في غزة وخاصة في سنوات الانقسام، وهنا لا يتسع المجال لتقييم المكاسب والخسائر والمقارنة بينها، ولكن هناك حقيقة نسبية وهي أن إسرائيل أبقت على الوضع في قطاع غزة على هذا النحو لأسباب تتعلق بمصلحة سياسية في جوهرها إبقاء الانقسام والتشرذم وحالة الفوضى المسلحة في غزة، بالإضافة إلى عدم رغبتها في تحمل خسائر كبيرة أو التسبب في خسائر بشرية هائلة في غزة لو أقدمت على حرب شاملة تهدف إلى التخلص من السلاح والمسلحين في هذه البقعة المحصورة، وقد يرى البعض أن الوضع القائم هو عبارة عن توازن قوى نسبي.
وأياً كان التحليل الصحيح للوضع في غزة، فإنه يتوجب إدراك أن إسرائيل تفكر طوال الوقت بحرب على غزة تستهدف التخلص من ترسانة الأسلحة التي تعتبرها تهديداً للعمق الإسرائيلي وخاصة الآن عندما لا يكون الانقسام هو العنوان. لهذا تكمن مصلحة وطنية عليا في تحييد إسرائيل وإخراجها من دائرة الفعل التدميري في غزة وإن كانت ستظل لاعباً رئيساً في التأثير على اقتصاد غزة.
وأهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو الحفاظ على وقف إطلاق نار تام وشامل مع إسرائيل وإخفاء السلاح وعدم الانجرار لأي استفزاز إسرائيلي قد يقود إلى حرب تخطط لها إسرائيل لتدمير فرص إنجاح المصالحة وإعمار قطاع غزة وتحسين أوضاعه من كل النواحي.
أما مصر والدول العربية الأخرى فيجب التوقف تماماً وعدم السماح إطلاقاً بالتدخل في شؤونها وخاصة من جهات موجودة في قطاع غزة سواء أكانت حركات كبيرة أو مجموعات صغيرة أو افرادا، فالحفاظ على حيادية الشعب الفلسطيني في كل التطورات الداخلية العربية مسألة في غاية الأهمية للحفاظ على الدعم العربي للقضية الوطنية الفلسطينية باعتبارها القاسم المشترك لكل العرب. وهذا سيجعلنا نعيد بناء علاقاتنا مع مصر الشقيقة وفتح معبر رفح والاستفادة مما ستوفره لنا مصر من مقدرات وتعاون في مختلف المجالات.
إذا نجحنا في اختبار الأمن سننجح في إعمار غزة وتحويل المصالحة إلى رافعة وطنية حقيقية تقرب تحقيق حلم الحرية والاستقلال، وسننجح في محاصرة إسرائيل وإثبات أن المشكلة فقط في وجود الاحتلال وهو ما فشلنا فيه في غزة، التي أخليت من المستوطنات، بسبب الانقسام والفوضى والصراع على السلطة.