خبر : فلسطين: دولة الأمر الواقع ...بقلم: عاطف أبو سيف

الإثنين 12 مايو 2014 09:10 ص / بتوقيت القدس +2GMT
فلسطين: دولة الأمر الواقع ...بقلم: عاطف أبو سيف



ظلت الدولة حلم الفلسطينيين طوال عقود من الكفاح الوطني وشكل البحث عنها أحد أيقونات الوطنية الفلسطينية واعمدة نضالها التحرري. ورغم تأخر ظهور الدولة كمفهوم في أدبيات النضال الفلسطيني بسبب طغيان القتال من اجل العودة إلى الفردوس المفقود، إلا أنها وبمجرد تسللها منذ نهاية السبعينيات وجدت مكاناً مرموقاً في الخطاب السياسي الفلسطيني واحتلت مكانة متقدمة في أجندة المطالب السياسية الفلسطينية، ودخلت كإحدى اهداف الكفاح الوطني الفلسطيني. وخلال تلك المسيرة الطويلة من تطور مفهوم الدولة الفلسطينية في أدبيات الثورة الفلسطينية خاصة أدبيات حركة فتح العمود الفقري للوطنية الفلسطينية طرأت تحولات وتطورات كثيرة على حدود هذه الدولة وعلى ماهيتها ونوعها. وهي تطورات لم تمس فقط قشور الفكرة بقدر ما مست جوهرها، وتركت أثراً كبيراً على جل مواقف وادبيات الثورة الفلسطينية.
وربما وبمراجعة سريعة ونقدية لممارسة الخطاب السياسي الفلسطيني خلال السنوات الأربعين الماضية يجب الاعتراف بأن هذا التركيز العالي على مفهوم الدولة ومحاولة تحقيقها كان له ثمن غال كثيراً من الناحية السياسية وقاد إلى الكثير من التغيرات في مواقف الثورة الفلسطينية. لقد أدي الإنشغال بمفهوم الدولة وبفكرة تحققها لأسباب كثيرة إلى غض النظر عن التغيرات التي باتت تطرأ على جل الأدبيات السياسية الفلسطينية خاصة المتعلقة بقضايا الصراع الكبرى مثل تحرير كامل التراب الوطني والعودة إلى داخل أرض الآباء والأجداد والعلاقة مع العدو ومستقبل الصراع وآليات حله. لم يتم التنازل عن هذه القضايا ولطن ما حدث عمليات تكييف بطيئة بات من المنطقي عن محاولة المزاوجة فيما بينها أن يتطلب الأمر بعض التحويرات على المواقف الأصلية. فلم يتم مثلاً التنازل عن فكرة الحق الطبيعي في أرض الآباء والأجداد ولكن مجرد التفكير في دولة على جزء من هذه الأرض فإن ثمة مقايضة سياسية (لا منطقية ربما ولكن ضرورية) تتطلب إقراراً بدولة العدو (الذي سيصبح جاراً) على بقية هذه الأرض. وإن القبول بالجزء كسر قوة المقولة بالحق الطبيعي الأبدي وجعل أي جزء قد يفي بالغرض حيث أن مبدأ تجزئة الحق واردة.
ثمة أسباب كثيرة قد تفسر مثل هذا "الشغف" الفلسطيني بفكرة الدولة والتي تقف حقيقة غياب الدولة في صلبها. فلم يعان الفلسطيني ربما من شيء سياسياً قدر معاناته من غياب الدولة كممارسة حقيقية وفعلية. ويمكن تصور سياقات مختلفة لتطور الصراع العربي الإسرائيلي منذ الهجرة الصهيونية الأولى لأرض فلسطين لو كان هناك في لحظة تاريخية قبل النكبة دولة فلسطينية مستقلة. بالطبع فقد كان جل جهد الصهيونية وفور انتصار الحلفاء على الرجل المريض في الحرب العالمية الأولى ان لا تتمتع فلسطين بأي استقلال كان حتى يحرم الفلسطينيين من دولتهم التي سيكون من العسير في حال وجودها تمزيقها والاستيلاء عليها. ليس لأن الصهيونية كانت حساسة بشكل كبير للقانون الدولي ولاحترامه، ولكن حتى على الصعيد الأخلاقي كان يجب أن يظل الفلسطينيون كما صورتهم دعايتهم بعض العرب الرحل العابرين في أرض التوراة. وهي صورة يمكن لمراجعة كتابات نقدية إسرائيلية أن تكشف عنها بشكل كبير مثل كتابي شلومو ساند "اختراع أرض إسرائيل" و"اختراع شعب إسرائيل" الصادرين عن مركز مدار.
وامام الممانعة الإسرائيلية الكبيرة لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية وحتى من خلال اتفاق مع إسرائيل فقد نجح الفلسطينيون، رغم الكثير من الملاحظات، في تثبيت فكرة الدولة الفلسطينية في أدبيات المجتمع الدولي حول الصراع وصارت عبارة "الدولة الفلسطينية" لازمة لأي تصور حول مستقبل الصراع المزمن في الإقليم، ولم يعد تقبل الدعاية الصهيونية حول حقوق الفلسطينيين ممكناً كما كان من قبل. بدأ هذا من تقرير شومان الاوروبي في مطالع السبعينات من القرن الماضي مروراً بإعلان البندقية عام 1980 وبعد ذلك إعلان برلين عام 1999 وخطاب بوش أمام الجمعية العامة عام 2001. خلال ذلك جرت مياه كثيرة تحت الجسر.
تكرز الزحف الفلسطيني من الدولة باتفاق إلى الدولة كأمر واقع، وحقق الفلسطينيون الكثير من النجاحات في ذلك سيما في الاعوام الثلاثة الأخيرة. كان قبول فلسطين عضواً وإن ناقص العضوية في الجمعية العامة واحدة من اهم معارك الفلسطينيين الدبلوماسية ربما منذ الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. لقد صار في التنظيم الدولي جسم معنوي اسمه دولة فلسطين، حتى إن لم توجد الدولة ككيان مستقل. تعزز هذا مع وجود مؤسسات وهيئات وموظفين وأفراد شرطة وشيء قريب من الجيش وسفارات وممثليات. لا يدور الأمر عن دولة افتراضية بكلمات نائب وزير الخارجية الإسرائيلي في تعليقه الساخر على عضوية فلسطين بل إن ثمة لحماً يكسو العظام وأسمنتاً يملأ الاعمدة.
أظن أن الرئيس محمود عباس رجم إسرائيل خلال هذا الصراع بحجارتها المفضلة: "سياسة الامر الواقع". فهو يعرف أن ما يثبت في السياسة هو ما يتحقق. لذا عمل وامام أي تعطيل تقوم به إسرائيل في عملية التفاوض على فرض أمر واقع جديد عليها. كان ثمار ذلك الكبرى في تحصيل العضوية عام 2012. وما ان عطلت اسرائيل اطلاق سراح الدفعة الرابعة من الاسري حتى وقع على الانضمام إلى 15 منظمة وهيئة دولية. احتجت إسرائيل وهددت وتوعدت ولكنها في آخر المطاف عادت للمفاوضات. وعلى نفس المنوال ذهب الرئيس أبو مازن للمصالحة رغم زعيق إسرائيل وتهديدها، ففي نهاية المطاف ستقبل إسرائيل بالامر الواقع وهو وجود حماس كجزء من النسيج السياسي الفلسطيني.
بالتراكم، فإن ثمة وضعا قانونيا ومؤسساتيا وسياسيا يجعل الدولة الفلسطينية امرا واقعا لا يمكن تغيره ويصبح على المجتمع الدولى ان يجب على أسئلة كبرى تتعلق بمستقل عضو اساس فيه هو دولة فلسطين. يساهم في ذلك تنشيط حركات المقاطعة والتضامن وتفعيل المقاومة الشعبية. إن الدولة الفلسطينية التي لم تتحق دفعة واحدة تتجسد خطوة خطوة وحبة حبة كما يقول المثل، حيث أن تمظهر هذه الدولة يصبح أكثر تحققاً من خلال تلك الخطوات الصغيرة والجريئة، وإن على إسرائيل التي اكتشف الكثير من سكانها فقط مع الانتفاضة الفلسطينية أنهم يحتلون شعباً آخر، ستدرك أنها تحتل دولة أخرى، وأن المجتمع الدولي الذي اعترف بعد جهد جهيد ان ثمة شعب آخر اسمه الشعب الفلسطيني سيدرك بان ثمة دولة أخرى موجودة فعلاً اسمها دولة فلسطين، وعليه أن يتصرف وفق هذا الأساس. إنها دولة الأمر الواقع.