خبر : قراءة في "فنجان" الصراع السوري! ... بقلم: جواد البشيتي

السبت 10 مايو 2014 09:32 ص / بتوقيت القدس +2GMT



يُراد لسورية أنْ تكون اللَّحْد لـ "الربيع العربي"، الذي كانت له تونس مَهْداً؛ ويُراد لشبابه الثوري، الذي فاجأ العالَم بمعجزته الثورية، أنْ يتعلَّم دَرْساً، لا ينساه أبداً، في "الإحباط الثوري التاريخي"، وأنْ تَهْرَم روحه الثورية قبل أنْ يَهْرَم هو، وأنْ يَفْهَم تجربته على أنَّها خَيْر وأقوى دليل على أنَّ الطريق إلى جهنَّم مبلَّطة بالنِّيَّات (الثورية) الحسنة؛ ورُبَّما يَخْرُج من بين ظهرانينا من يَلْعَن الولايات المتحدة، وسائر الغرب المُنافِق في خطابه الديمقراطي، مُتَّهِماً القوَّة العظمى في العالَم بـ "خيانة" الشعوب العربية كما "خانت" بريطانيا العرب الذين هَبُّوا إلى الثورة على الحُكْم العثماني؛ لكنَّ التاريخ لن يرى إلاَّ خيانتنا لأنفسنا؛ فلو لم نَخُن أنفسنا، والأهداف التي من أجلها نَزَل الشعب إلى الشارع، لنَزَلت علينا "خيانة" الغرب بَرْداً وسلاماً.
قُلْتُ "رُبَّما"؛ فرُبَّما لن نرى هذا الغرب مُتَّهَماً بـ "خيانة" العرب، في "ربيعهم الشعبي الثوري"؛ لاختفاء "المُتَّهِم" نفسه من "الوجود السياسي ــ التاريخي"؛ فـ "الخَلَف" من دُوَل (أو دويلات) القبائل (الطائفية هذه المرَّة) قد يكون هو المُحْتَفِل، سنوياً، بنَيْلِه "استقلاله (وحريته)"، فَمِنْ موت "الأُمَّة" كُتِبَت (وكانت) له حياة؛ وهذا ما يشبه نظرية "التخلُّص من الدَّيْن (الثقيل) بالتخلُّص من الدَّائن نفسه".
حتى الآن (و"الآن" فيها من المستقبل أكثر مِمَّا فيها من الحاضر) سورية هي وحدها المهزومة؛ وهزيمتها لن تُتَرْجَم إلاَّ بهزيمة لـ "الربيع العربي" كله؛ فإذا بقي بشار، وإذا ما انتصر، مع حلفائه الدوليين والإقليميين، أيْ أسياده، فسورية هي المهزومة؛ وإذا ما استمر الصراع (الذي نعاينه الآن، ونعاني تبعاته وشروره) بما هو عليه من ماهية وخواص، فسورية هي المهزومة؛ وإذا ما انتصرت "المعارَضَة، بما هي عليه من ماهية وخواص، فسورية هي المهزومة.
"السياسة"، ومعها "المستقبل السياسي لسورية (وللصراع فيها)"، لا تُقْرَأ، ولا تُفْهَم، إلاَّ حيث يدور ويحتدم القتال (الذي هو اقتتال، وقَتْلٌ، وتَقْتيل). من دمشق، يقود بشار حرب التأسيس لـ "دويلة الساحل"، والتي يُراد لها أنْ تكون "الأقوى"، وأنْ تظل بمنأى عن حرب الموت والدَّمار التي يخوضها ويقودها بشار (وحلفاؤه) في سائر سورية؛ فسورية، باستثناء إقليم "دويلة الساحل"، يجب أنْ تُدمَّر، بمدنها وأحيائها ومنازلها ومنشآتها وبُنْيَتِها التحتية؛ أمَّا سكَّانها فلا خيار لديهم إلاَّ "اللجوء" أو "النزوح"؛ ولقد كانت "كَسَب" الثغرة في هذا الجدار المنيع.
أمَّا "حزب الله (اللبناني)"، و"أشِقَّاؤه" من العراقيين، فَنَفَثَ في روع "الطائفة" و"مجاهديه" أنَّ "التكفيريين" في الطريق إلى معاقله، يَسْتَحِثُّون الخطى، وأنَّ "الموتى العِظام"، مع أضرحتهم السورية، في خَطَر؛ ولا بدَّ من "الذِّهاب إليهم (في سورية) قَبْل أنْ يأتوا إلينا"؛ و"التجربة الجهادية" في سورية، وبألوانها الإسلامية المختلفة، تقيم لنا الدليل على أَمْرَيْن: أنَّ المسلمين كانوا، وما زالوا، في "حرب أهلية (طائفية)" هي الأطول في التاريخ، وأنَّ غالبية شهداء المسلمين هُمْ قَتْلى على أيدي مسلمين.
ولَمَّا نَظَرْنا إلى "الأرض" حيث يدور ويحتدم القتال (محاماةً عن موتى وماضٍ ما زال حيَّاً يُرْزَق في حاضرنا ومستقبلنا) بانَت لنا "الحقيقة" عارية من الوهم؛ فما هي إلاَّ حرب لـ "الوَصْل (الجغرافي)" بين "دويلة الساحل" وبين معاقِل الحزب، وفي مقدَّمها "معقل الهرمل"؛ فـ "مجاهدوه" احتلوا من الأراضي السورية المحاذية للبنان ما يمكن أنْ يكفي لإقامة "شرائط جغرافية" تَصِل "دويلة الساحل" بمعاقله اللبنانية (الهرمل على وجه الخصوص، أو حتى الآن) وبـ "معقل بشار" في العاصمة؛ وموانئ "دويلة الساحل"، وفي مقدَّمِها ميناء طرطوس، تَصْلُح للتأسيس لعلاقة استراتيجية، في شرق المتوسط، بين روسيا وإيران، تَنْتَفِع منها هذه "الدويلة" و"حزب الله".
ورُبَّما لا تكون هذه النتيجة هي نهاية هذا المسار؛ فإنَّ ما يشبه "المجال الحيوي" لهذه "الدويلة" يمكن أنْ يُقام؛ فنرى "دويلة الساحل" على شكل "قوَّة احتلال" في أجزاء ومناطق أخرى من الأرض السورية؛ ونرى اللاجئين والنازحين عاجزين عن العودة؛ خَوْفاً من بطش "قوَّة الاحتلال"، ولأسباب موضوعية، في مقدَّمِها خراب ودمار "المكان" الذي يريدون العودة إليه؛ ورُبَّما تَلِد المأساة مهزلة، فتُصْدِر الأمم المتحدة قراراً كقرارها الرقم 194، تؤكِّد فيه حقَّ اللاجئين (السوريين) في العودة أو التعويض!

"نهاية التاريخ".. عربياً!
قانون "الانتخاب (الاصطفاء، الانتقاء) الطبيعي" لداروين يَفْعَل فعله حتى في المجتمعات، ولو لم تكن حُرَّة وديمقراطية بما يكفي لتحريره من كثيرٍ من القيود؛ ولقد رَأَيْنا فعْله في "البيئة العربية (غير الطبيعية)" على مستوى العقائد والأفكار والمذاهب والاتِّجاهات والتَّيَّارات.
في عهد الحُكْم العثماني، الذي استبدَّ بالعرب قروناً من الزمان، رَأيْنا ولادةً للوعي (والشعور) القومي العربي؛ ولقد كان الهاشميون، في شبه الجزيرة العربية، بقيادة الشريف حسين بن علي، الذي قاد (بالتعاون والتفاهم والتنسيق مع "بريطانيا العظمى") الثورة العربية (القومية) الكبرى، سنة 1916، الممثِّل الأبرز لهذا الوعي؛ لكن هذا الحراك القومي العربي الأقدم، والذي ضَمَّ منظمات وجمعيات وقيادات قومية عربية من خارج الهاشميين، في العراق وسورية وفلسطين على وجه الخصوص، كان في محتواه خليطاً من القَبَليَّة والعشائرية والزَّعامة الدينية. وانتهى هذا الحراك إلى فَشَلٍ تاريخيٍّ، واستُبْدِلَت قيادات من نمط جديد بالقيادات القديمة؛ لعلَّ الموجة الثانية من الحراك القومي العربي تأتي للعرب في المشرق بالتحرُّر القومي من البريطانيين والفرنسيين، وبما يسمح بالتأسيس لدولة قومية عربية، و"تحرير فلسطين"؛ لكنَّ هذه الموجة لم تأتِ إلاَّ بما أقام الدليل على أنَّ هذه القيادات القومية الجديدة لم تكن أهلاً لإنجاز مهمات قومية بهذه الأهمية التاريخية؛ فتهيَّأت الظروف والأسباب لموجة ثالثة، كانت خليطاً من "القومية الناصرية"، و"القومية الحزبية البعثية"، والمنظمات والأحزاب والتَّيَّارات اليسارية بألوانها المختلفة؛ ولقد تأثَّر هذا الحراك القومي واليساري العربي الجديد، والذي لم تكن المطالب والشعارات الديمقراطية، ولا الاتِّجاهات الإسلامية، بجزء من تكوينه السياسي والفكري، بقيام وتوطُّد التحالف بين الاتحاد السوفياتي ومصر الناصرية، التي كانت مركز الثقل في هذا الحراك، وبإنجازات وانتصارات لـ "الحركة الشيوعية العالمية"، وبالمَثَل الثوري الفيتنامي على وجه الخصوص؛ وظلَّت "القومية الناصرية" مَصْدَر طاقة لشَحْن الشعور القومي العربي من المحيط إلى الخليج، فشرعت تتبلور الهوية القومية العربية، ويَضْمُر ما دونها من هوية وانتماء، حتى وقعت الواقعة (حرب حزيران 1967) فهُزِمت "القومية الناصرية" شَرَّ هزيمة، وساد الشعور بالإحباط القومي، وبدأت مرحلة الارتداد العربي إلى الهويات والانتماءات دون القومية؛ وسرعان ما اختلط وامتزج "إفلاس القومية الناصرية (والبعثية)" بـ "إفلاس اليسارية الشيوعية" بعد، وبسبب، انهيار وتفكُّك الاتحاد السوفياتي؛ فتهيَّأت الظروف والأسباب لصعود جماعات "الإسلام السياسي"، وفي مقدَّمها جماعة "الإخوان المسلمين"؛ فهذا "الفراغ القيادي (السياسي والفكري) الهائل"، والذي خلَّفه "إفلاس الحركة القومية واليسارية"، ما كان ممكناً شَغْله إلاَّ بجماعات "الإسلام السياسي".
وفي موازاة هذا المَدِّ الإسلامي (الشعبي والسياسي والفكري والثقافي) تَبَرْعَمَت في بعض الأوساط الشبابية الميول والأفكار الليبرالية والديمقراطية، واستبدَّت بتفكيرهم ومشاعرهم "الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة"، وكانت، من ثمَّ، ثورات "الربيع العربي"، وانتقلت السلطة، في بعض دول "الربيع العربي"، ومن طريق "صندوق الاقتراع"، إلى جماعة "الإخوان المسلمين"؛ ثمَّ عَصَفَت الأزمات بهذه السلطة الجديدة، حتى أطاحها العسكر في مصر، مركز الثقل في "الربيع العربي"؛ وبدا أنَّ "البيئة العربية" لم يَقَع اختيارها، أيضاً، على جماعات "الإسلام السياسي"؛ أمَّا الشباب الذي فجَّر هذا الحراك الشعبي الثوري الديمقراطي والليبرالي فشرع يسوده شعور بالإحباط؛ ولقد سُيِّرت رياح ثورات "الربيع العربي" في بعض البلاد العربية، وفي سورية على وجه الخصوص، عربياً وإقليمياً ودولياً، بما وَلَّد "فراغاً قيادياً جديداً"، لا يستطيع شَغْله، هذه المرَّة، إلاَّ نمط قيادي هو الأسوأ في تاريخ العرب الحديث؛ فالقادة الآن خُلِقوا على مثال العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية والجهوية؛ فحراكهم هو بماهيته وخواصه الجوهرية يُمثِّل النَّفي التام لكل حراك عرفه العرب من قَبْل، أكان من طبيعة قومية أم من طبيعة ديمقراطية؛ وكأنَّها "الجاهلية" تعود، فتُغْلِق "الدائرة"، ليُعْلِن هذا الخليط القيادي من العسكر وزعماء الطوائف والقبائل "نهاية التاريخ" عربياً!.