ينتاب كثير من أبناء الشعب الفلسطيني شعور بالراحة التامة لما حصل بالأمس ويحصل هذه الايام، من خطوات عملية إيجابية نحو المصالحة والوفاق الوطني الفلسطيني. مثل هذا الشعور أمر طبيعي، خاصة بعد الارهاق العام والمضني الذي اجتاح كافة مكونات المجتمع في الداخل والخارج، الذي بدوره أدى إلى فقدان كافة القوى المتنازعة كماً هائلاً من الشعبية والمصداقية. مع ذلك ورغم آلام الماضي فان خطوات المصالحة القائمة تحرسها وتحميها هالة كبيرة من الدعم والتفاؤل العام، حتى من قبل كثير ممن يشككون فيها، ومن قبل من هم مرتابون من حقيقتها وأبعادها. حالياً الجميع وبذكاء يفضل الميل وترجيح تحقيق المصالحة وترك ما تحمل النفوس والعقول من أفكار وظنون، بل من المؤكد أن كثيرا من أبناء الشعب الفلسطيني سيفعلون المستحيل من أجل تناسي عذاب وآلام الماضي لو كان ذلك سيؤدي فعلاً الى عودة اللحمة الوطنية الفلسطينية إلى مسارها الطبيعي. هذا هي طبيعة هذا الشعب الخير، الذي دائماً وأبداً يضع المصلحة العليا نصب عينيه وفوق جراحه ومعاناته الخاصة.
من المؤكد أنه حين تحين لحظة تنفيذ المصالحة المجتمعية، المكرس لها بند من بنود اتفاقية القاهرة، سيثبت كرم وسخاء يفوق الواقع والمنتظر. نوعية هذا الشعب هي التي تجبر دعم والنظر لما يحدث حالياً من خطوات عملية بشيء من التفاؤل المنضبط، بل والفرحة الدفينة الذي يُفضل كتمانها.
الشعب الفلسطيني شعب تعود على ترجيح كفة مصلحة الوطن والجميع على المصلحة الفئؤية والمصلحة الذاتية. يفعل ذلك دائماً على الرغم من كل ما عانى ويعاني من جراء السياسية ومهزلة ممثليها. وهو يأمل حالياً وأكثر من أي وقت مضى في أن تكون كافة القوى الوطنية على مستوى المسؤولية أولاً، وعلى مستوى آمانيه وآماله ثانياً. بمعنى أنه لا يرغب أن تخذله أي قوى مثلما خذلته في الأوقات الماضية. لو لم يكن مثل هذا الشعور قائما فعلاً وبشكل دائم لكان معظم أبناء هذا الشعب قد ترك مهمة مقارعة الاحتلال، وجندوا قواهم لوضع حد لكافة القوى الوطنية المتنازعة والمتنافسة على لا شيء ملموس سوى الجلوس على الكراسي والاحتفاظ بالمناصب والألقاب، ولاعتبر حقاً بأن صراع هذه القوي يوازي في الأهمية مقاومة العدو المحتل في حد ذاته.
الجميع على دراية بالأسباب التي دفعت كافة القوى الوطنية الفلسطينية للتقدم في عملية المصالحة، فهي وللمرة الأولى منذ سنوات عديدة، وضعت المصلحة العليا فوق كل الاعتبارات الخاصة، ولاحظت أنه من خلال تمسكها بفكرها العقيم والمجحف لم تتمكن من تحرير المواطن والوطن، بل زادت من درجة معاناة الأول وتسلط العدو على الثاني، أن تعي تلك القوى حقيقة ذلك متأخراً أفضل من أن لا تعيه بتاتاً، خاصة أنها أضحت قوى فاشلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى نتيجة عدم تقدمها في أي من المستويات.
من قراء فحوى اتفاق القاهرة، التي قامت بدور فعال، قاس وحاسم من أجل اجبار كافة الأطراف على التوقيع، وأحياناً بشكل أدى إلى معاناة فائقة لجزء من الشعب الفلسطيني، خاصة في غزه، يعلم أن هذا الاتفاق متكامل في شموليته، وأن ما ينقصه فعلاً ليس بندا إضافيا هنا أو هناك، أو زيادة في حجم سلطة وقوة هذه الجهة أو تلك، أو تفعيل مؤسسة أو تعطيل أخرى، وإنما إرادة فعلية لتغليبه وتطبيقه بشكل سريع وفعلي. من أجل أن يكون محتوى هذا الاتفاق واقعيا وعمليا، على كل طرف التخلي عن جزء من أنانيته الذاتية لحساب المصلحة الوطنية. نوعاً ما جوهر قضية المصالحة سيكمن في توزيع متوازن للمهام والمناصب داخل كافة المؤسسات الوطنية العامة وتغليب مصلحة الوطن على المصلحة الذاتية، وأن تحاول جميع الأطراف فعل المستحيل من أجل عدم عرقلة المسيرة من خلال التمسك بالمواقف والمناصب. حب الوطن يجب أن يغلب حب الجاه والمال، لانه حين يضيع الأول لا يبقى من الثاني والثالث شيء.
فقط للتذكير، أحد أهم أسباب الصراع الداخلي الفلسطيني هو تمسك البعض بزمام الحكم المطلق والدائم، وكذلك محاولة الهيمنة وتمثيل القضية والشعب هنا وهناك بدون مشاركة الغير. أمثال من يفعلون ذلك لا يريدون ادراك حقيقة أن الشعب الفلسطيني يرفض الاحتكار المطلق للحكم ووجود نفس الأشخاص في نفس المناصب ولفترات تزيد عن حدها. ويعتبر من يفعل ذلك شخصا تهمة فقط المصلحة الخاصة أكثر ما تهمه مصلحة الوطن والإرادة العامة وإنهاء الانقسام. الكل يعلم من هم أعداء المصلحة العليا وكيف يتصرف هؤلاء من أجل الحفاظ على مراكزهم ومزاياهم الشخصية، ويعلم أن أمثال هؤلاء على كامل الاستعداد للإضرار بالمصلحة الجامعة إن كانت تلك لا تصب في مصلحتهم الفردية – الفئوية. خطر هؤلاء على المصلحة العامة يوازي الخطر الإسرائيلي على مستقبل المصالحة، لذلك يجب الحرص وعدم اعطاء أي فرصة تؤدي إلى تعكير او الاضرار بأجواء التفاؤل العارم والمنضبط. ذلك يتم فقط من خلال الحرص والعمل بشكل مباشر، عقلاني وصارم.
إسرائيل، كما هي عادتها، ستقف للمصالحة الوطنية بالمرصاد، لذلك على كل مواطن فلسطيني وعلى كافة القوى منفردة ومجتمعة أن تغلق الصفوف وأن تكون لها كذلك بالمرصاد. وللعلم، في حالة أثبتت كافة القوى الفلسطينية صدق نيتها في مسيرة المصالحة فلن يتركها شعبها بتاتاً وحيده أمام العدو الغاشم، كما حدث في الماضي. هذا العدو يهاب فعلاً مواجهة الشعب بعامته أكثر مما يهاب مواجهة كافة القوى الفلسطينية الوطنية إذا كانت هذه متفرقة، متقاعسة أو متناحرة. وقد عمل وسيعمل وبشكل دائماً وتحت طائل التهديد والسفك على تمزيق لحمتها أولاً ومواجهتها بشكل انفرادي ثانياً. كل ذلك من أجل فرض إرادته عليها ومن ثم على كافة الوطن والشعب. وسيفشل هذا العدو في مهمته إذا وجد القوى السياسية الفلسطينية متكاتفة حقاً ومنصاعة أولاً وقبل كل شيء للاراده الشعبية، التي هي حاميتها الطبيعية وأرضها الخصبة. الجميع يعلم، كما تعلم أولاً وأخيراً القيادات اليهودية في الداخل والخارج، بأن هذا الشعب شعب لا يرهب الموت أو الجوع، وإنما يعزز كرامته بتمسكه بثوابته الوطنية، الشعب الفلسطيني شعب معطاء فى السراء والضراء، وقد أثبت وبجدارة حقيقة ذلك، لذا فانه لم ولن يبخل على قياداته بالسند والدعم طالما البوصلة موجهه نحو العدو الغاشم ونحو أهداف أساسية ثابتة، ومنها تحرير الوطن وحرية وكرامة ومنفعة الجميع.
ما عانته كافة القوى السياسية الفلسطينية من عزلة شعبية خلال الفترات السابقة كاف وخير دليل على كيفية ودرجة وعي ومقدرة الشعب الفلسطيني على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. هذه المقدرة كذلك موازية للتفاؤل والانضباط الذي يعم حالياً كافة أرجاء الوطن والخارج، وهذا مرتبط ارتباطاً تاماً بما سوف يحدث فى المرحلة القادمة.
‘ كاتب فلسطيني – إسبانيا


