في كل مرة تحدث فيها انتخابات في دولة غير ديمقراطية، يدور حوار عاصف داخل معسكر القوى الثورية عن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها. في العالم العربي تحديداً هذا الجدل لم يتوقف منذ بداية تسعينيات القرن الماضي عندما لجأت الأنظمة العربية وتحت وطأة انعكاسات سياسات اللبرلة الاقتصادية إلى القيام بإحداث انفتاح سياسي جزئي يمكن المعارضة من المشاركة في الحياة السياسية دون أن يمكنها من الحكم أو من القدرة على التأثير على سياسات النظام.
التجربة - تجربة المشاركة في الانتخابات - بعد عشرين عاما على مشروع اللبرلة السياسية تستحق التوقف والقراءة بعمق لأن سؤال المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها لم يعد محصوراً فقط على القوى الثورية في تلك الدول التي لم يحدث فيها تغير حقيقي بعد انتفاضات الشعوب العربية، ولكن حتى في الدول التي حدثت فيها انتفاضات وتمكنت قوى الثورة المضادة من احتوائها، وهو مطروح أيضاً في الدول التي لا زالت انتفاضات الشعوب فيها قائمة.
ما الذي تقوله تجربة المشاركة في انتخابات مقيدة تجري وفق أحكام سلطة الاستبداد؟.
أولاً، في المسألة المتعلقة بنزاهة الانتخابات، بعض الأنظمة العربية لم تُزور نتائج الانتخابات بشكل مباشر لكنها تمكنت من السيطرة على نتائجها عبر التلاعب بالقانون الانتخابي: إقرار قوانين انتخابية تضمن فوز رجالاتها في الانتخابات عبر التلاعب في التقسيمات الإدارية للدولة وفي عدد الدوائر وتوزيع المرشحين عليها ومن خلال التحكم بحجم النسبة المخصصة للتمثيل على مستوى الوطن للقوائم وللقوائم (أو الأفراد) على مستوى الدوائر، وأيضاً بالتحكم في النسبة التي يجب اجتيازها للحصول على تمثيل نيابي.
بعضها الآخر قام بعملية تزوير مباشر من خلال التلاعب بعدد الأصوات وإحضار صناديق كاملة معدة مسبقاً لصالح مرشحي النظام، وفي حالات معينة جرى إلغاء الانتخابات ورفض نتائجها، وفي حالات أخرى جرى منع مؤيدي المعارضة السياسية من التصويت، وفي جميع الأحول تم استخدام إعلام النظام والإعلام الخاص المتحالف معه لصالح مرشحي سلطة الاستبداد، وفي بعض الدول جرى التزوير بالطريقتين عبر القوانين وبشكل مباشر.
باختصار، الانتخابات لم تكن أبداً نزيهة إلا في حالات محدودة جداً، مثلا، في الجزائر تم الانقلاب عليها من الجيش، وفي فلسطين انقلب عليها العالم بالحصار والتجويع.
ثانياً، في المسألة المتعلقة بأهمية المشاركة، التجربة تقول إن المشاركة تؤدي إلى ثلاث نتائج:
المشاركة تقوم وقبل كل شيء بتقيد عمل القوى السياسية المشاركة في الانتخابات. من يقبل بالمشاركة فيها يقبل فعلياً بالعمل السياسي ضمن السقف الذي تحدده السلطة المستبدة، بمعنى، يصبح الحزب أو التنظيم سياسياً، ملزماً وبقرار ذاتي باحترام قواعد اللعبة كما حددها النظام المستبد. ويزداد وضع "التنظيم" لقيود على نفسه كلما حصل على حصة أكبر من الجزء الخاص بالكعكة التي تخلى عنها النظام للمعارضة بقصد تدجينها.
القبول بشروط اللعبة يقسم المعارضة السياسية إلى فريقين، فريق يقر بشرعية النظام السياسي وعبر عن قبوله بهذه الشرعية من خلال مشاركته بالانتخابات، وفريق لا يقر بشرعية النظام السياسي وعبر عن ذلك من خلال مقاطعته المستمرة لها.
الانقسام لا يضعف فقط قوى المعارضة، ولكن يترتب عليه طريقة تعامل النظام مع المعارضة، والقوى التي لا تشارك في الانتخابات تتعرض للقمع بشكل منهجي والقوى التي تشارك تتعرض للقمع بطريقة انتقائية، لكن عندما تقرر القوى التي أقرت بشرعية النظام السياسي تغير موقفها والعمل بشكل ثوري، فإنها تتعرض لقمع أكبر من القوى التي قاطعت منذ البداية. الهدف من ذلك هو رفع كلفة سحب الشرعية عن النظام السياسي حتى لا تتجرأ قوى أخرى على القيام بذلك.
والمشاركة أيضا تقوم بتحييد قطاعات واسعة من الجمهور وتبعدهم عن العمل الثوري - المقصود بالعمل الثوري هنا هو العمل على تغير النظام السياسي المستبد بنظام ديمقراطي.
عندما تشارك قوة سياسية في الانتخابات، فإنها تقوم بإحضار قطاعات جديدة من الجمهور للعمل السياسي لكنها تحضره بسقف النظام المستبد وبقيامها بذلك فإنها تقوم بعملية (de-radicalization) لهذه القطاعات - بمعنى أن الجمهور الفاقد الأمل بالتغير والذي يحمل قابلية الانتقال إلى الثورة، يجري ضخ أوهام له بإمكانية التغير من داخل النظام السياسي نفسه، هذا يؤخر الثورة ويعطي شرعية للنظام من قطاعات كانت أصلاً فاقدة الثقة به، ويقوم زيادة على ذلك، بإفساد العملية الديمقراطية الحقيقية عندما تبدأ، لأن من قدم صوته وأدرك أن صوته بلا قيمة في زمن أنظمة الاستبداد، يتحول عن الإيمان بأهمية صندوق الاقتراع عندما تأتي اللحظة التي يكون الصندوق فيها له قيمة.
هذه نتائج دراسات عدد من الباحثين ومنهم "ألين لاست، وأولبيرت هولجر، وفرانشيسكو كافاتورتا" عن العلاقة بين مشاركة أحزاب المعارضة في انتخابات مقيدة بأسقف أنظمة مستبدة، وهي دراسات شملت معظم بلدان العالم العربي التي جرت فيها عملية لبرلة سياسية واقتصادية.
دراسات أخرى اشتملت عددا أكبر من البلدان في آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية تقول أيضاً إن البلدان التي لم تشارك فيها قوى المعارضة في الانتخابات كان التغير الثوري فيها أسرع من تلك البلدان التي شاركت قوى المعارضة فيها في الانتخابات (أبحاث بيرسوسكي مثلا).
قراءتي الشخصية تتفق مع هذه الدراسات وتؤكد بأن الزلزال الذي حدث في العالم العربي منذ انتفاضة سيدي بوزيد نهاية العام 2010، جاء بشكل عام من خارج القوى السياسية التي شاركت مسبقاً في انتخابات الأنظمة المستبدة، وأن القوى التي شاركت بالثورة من الأحزاب التي قبلت بشرعية هذه الأنظمة وعبرت عن ذلك بمشاركتها في انتخابات "اللبرلة" جاءت إلى الثورة متأخرة وبعد أن أيقنت بأن الشعوب قد سبقتها في المشاركة وفي الطرح السياسي.
اليوم يعيد "الثوار" نفس الجدل العقيم بشأن المشاركة في الانتخابات أو عدمها وكأنهم لم يتعلموا من التجارب السابقة.
في منطق الرياضيات أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم.
في منطق الثورة: الثورة تقترب بمعدل قدرة قوى الثورة على تجريد النظام المستبد من شرعيته، وهذا لا يأتي بالمشاركة الفاعلية أو المقاطعة الصامتة، ولكن بالمقاطعة الصاخبة التي تكشف للجمهور أكذوبة الانتخابات غير النزيهة، وعدم قدرتها على إحداث التغير لصالحها من خلال الصندوق.
الجمهور في حالة المقاطعة الصاخبة يتعلم بطريقتين: من قوى الثورة، ومن تجربته الخاصة بالمشاركة، أما الدعوة للمشاركة فهي دعوة من قوى الثورة لإبعاد الجمهور عنها لأن الجماهير التي تشارك لا تدرك فقط أكذوبة الانتخابات، ولكن أيضاً أكذوبة القوى التي دعتها للمشاركة فيها، والنتيجة هي ظهور قوى ثورية جديدة من خارج القوى التي دعتها للمشاركة، وتشتيت أكبر لمعسكر الثورة.


