خبر : بعد انتهاء مُهلة المفاوضات: خطوات إسرائيلية أحادية الجانب تلوح في الأُفق ...بقلم : د. جاد اسحق

الخميس 08 مايو 2014 07:52 م / بتوقيت القدس +2GMT



انتهت مهلة التسعة شهور التي حددها الراعي الأميركي للمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبدأت بعدها المخاوف والتكهنات والتساؤلات حول ما ستؤول إليه الأمور بعد التاسع والعشرين من نيسان.
تساؤلاتٍ كثيرة تجول في خواطر الفلسطينيين وخاصة بعد إتمام المصالحة الفلسطينية التي تلقفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأركان حكومته والتي يسوقون لها بأن لا وجود لشريك فلسطيني للسلام ووضعوا شرطاً مسبقاً جديداً على القيادة الفلسطينية بإلغاء اتفاق المصالحة مع "حماس" كشرط للعودة للمفاوضات بالإضافة الى فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة الفلسطينية كان أبرزها وقف تحويل أموال الضرائب للفلسطينيين.
وكالمعتاد، فقد جاء رد الفعل الأميركي مساوياً الضحية بالجلاد وانتقد اتفاق المصالحة الفلسطينية، بحيث حذر مجلس الشيوخ الأميركي من أن تشكيل حكومة تشارك فيها حركة حماس سيطيح بالمعونات التي تقدمها الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية.
لقد شكل توقيع المصالحة الفلسطينية في هذا التوقيت بالذات بارقة أمل للفلسطينيين الذين يتوقون لطي صفحة الانقسام والمُضي قدماً، موحدين، الى تحقيق طموحاتهم في بناء دولتهم المستقلة....ولكننا لا نستطيع أن نشيح بنظرنا عن المخاطر الحقيقية الأُخرى التي نتجت عن اتنهاء مُهلة المفاوضات بدون الوصول الى اي نتائج تذكر، بل وقامت إسرائيل باستغلال التسعة اشهر لتفرض المزيد من الوقائع على الأرض، فكان الهدم والمصادرة والتهويد والتوسع الاستيطاني، الأمر الذي قضى عملياً على اي فرصة حقيقية للوصول الى اتفاق سلام على أساس الدولتين حتى إن وجدت نوايا إسرائيلية بهذا لصدد.
هذا وبالتوازي مع ما تقوم به إسرائيل من انتهاكاتٍ على الأرض، وإذا راقبنا ما يحصل في دولة الاحتلال وتحديداً عن ما يصرح به أركان الحكومة اليمينية المتطرفة، فإننا ندرك بأن لهذه الزمرة من المتشددين ما يدور في مُخيلتها من حلولٍ يرونها بناءة وتلبي طموحاتهم الاستيطانية والتوسعية، وهي في جوهرها تهدفُ إلى التنصل من أي استحقاقٍ سياسيٍ مع الفلسطينيين، بل يمكننا القول بان الهدف يصل إلى حد القضاء على حل الدولتين بالكامل وفي نفس الوقت عدم قبول حل الدولة الواحدة ثنائية القومية.

العملية السلمية تترنح ......ونتنياهو يتبجح
لقد دأب قادة اليمين المتشدد وحتى قبل انقضاء مُهلة المفاوضات على التمهيد لفشلها مع الفلسطينيين وبعد انتهاء المهلة بدأت أوركسترا اليمين بقيادة المايسترو نتنياهو بالعزف على مقطوعتهم المفضلة، فوزير يرى بأنه يجب ضم الضفة الغربية لإسرائيل ووزير يقترح حل السلطة الفلسطينية وآخر ينعى اتفاق أوسلو ونتنياهو سعيد بما يرى ويسمع، بل يتبجح بزعمه عدم وجود شريك فلسطيني للسلام، وفي تصريح جديد له في التاسع والعشرين من نيسان "اليوم هو آخر يوم في مفاوضات التسعة اشهر، ولن نقبل بأن يبقى الفلسطينيون منفردين بفرض الحقائق واتخاذ زمام المبادرة، لذا فإنه سوف نقرر قريباً حدود دولة إسرائيل وسنشرع بخطوات فك ارتباط من جانب واحد" والكلام لنتنياهو....... وكل ذلك والراعي الأميركي يرى فشل جهوده على أنها فرصة جيدة لالتقاط الأنفاس!!
نعم، التقاط الأنفاس ....يجب على الفلسطينيين وعلى القيادة الفلسطينية أن تلتقط الأنفاس وتعيد النظر في كل ما مضى من تجارب مع الإسرائيليين، وأن تبدأ بترسيم الحدود كأساس انطلاق لأي مفاوضات مُستقبلية لكي لا تتحول الحدود المؤقتة التي تسعى إسرائيل الى ترسيمها الى حدودٍ دائمة تستمر لعقود ويصعب تغييرها وأن تقطع الطريق لما يروج له قادة دولة الاحتلال من طروحاتٍ ومخططاتٍ خبيثة نخشى أن يكون الوقت المناسب لإسرائيل قد أزف لتنفيذها، وهي تعتمد على ركنين أساسيين، السلام الاقتصادي من جهة، والحلول الأحادية الجانب من جهة أُخرى، وهما في الحقيقة متلازمان لا ينفصمان.
إن لنا أن نتذكر بأنه وقبل أشهرٍ قليلة من انطلاق جولة المفاوضات الأخيرة في الحادي والثلاثين من تموز من العام الماضي حاول وزير الخارجية الأميركي جون كيري وبالتنسيق مع طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق وممثل الرباعية الدولية على بلورة خطةٍ على شكل محفزاتٍ كانت في ظاهرها محاولة لتنشيط ودعم الاقتصاد الفلسطيني، ولكن في جوهرها محاولة لجس نبض الجانب الفلسطيني للمضي قدماً في خطة شاملة تندرج تحت ما يسمى بالسلام الاقتصادي تحقيقاً لرغبات الحكومة الإسرائيلية، فرفض الفلسطينيون الطرح لتكون الخطة الاقتصادية رديفاً لأُخرى سياسية تنتهي بالوصول الى حل سياسي قائم على مبدأ الدولتين.
في الواقع، إن أخطر ما في مهلة التقاط الأنفاس التي دعا إليها رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما بأن تكون فرصة للإدارة الأميركية التي فشلت في الضغط على إسرائيل في المضي قدماً بدعم خياراتٍ أخرى كالسلام الاقتصادي أو دعم غير مباشر لخطوات إسرائيلية أحادية الجانب قد تُقدم عليها حكومة نتنياهو لمنع تفككها وانهيارها، لذلك على الفلسطينيين أن يعوا بأن التاريخ كثيراً ما يعيد نفسه، فعندما فشلت مفاوضات شرم الشيخ إبان فترة حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون هربت حكومته آنذاك الى الأمام، ومضت باتجاه انسحابٍ أحادي الجانب من مستوطنات قطاع غزة والذي اكتمل في الثاني عشر من شهر أيلول من العام 2005.
على الأرض لقد بدأت بوادر التلويح بالخطوات الأحادية الجانب بالتكشف، ليس فقط بتصريحات قادة اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو بل وعلى الأرض أيضاً، حيث قامت إسرائيل في خطوة عقابية بتعليق تنفيذ المخططات الهيكلية للتجمعات الفلسطينية في المناطق "ج" مع العلم بأنها لا تلبي في الأساس الحد الأدنى من احتياجات المواطنين الفلسطينيين للتوسع ونموهم السكاني الطبيعي، ومع ذلك فقد جمدت إسرائيل عملية المصادقة عليها بالإضافة الى قرار إسرائيلي وشيك بتجميد مشاريع إعادة تأهيل أراض زراعية فلسطينية تبلغ مساحتها 15000 دونم في مناطق "ج" كان قد تم الاتفاق عليها بتمويل من جهات مانحة دولية وعلى رأسها الوكالة الأميركية للتنمية.
إن على الفلسطينيين قيادة وشعباً ونخباً ومستثمرين، بما في ذلك القطاع الخاص، أن يدركوا جيداً وفي هذه الظروف الحساسة بأن إسرائيل تسعى الى المضي في مخطط للسلام الاقتصادي بدعوى تحسين حياة الفلسطينيين ودعم الاقتصاد الفلسطيني، ولكن الهدف الأبرز في عقول قادة الاحتلال يبقى دائماً الهروب من أي استحقاق للسلام إيماناً منهم بعدم أحقية الفلسطينيين بأرضهم ووطنهم، فالسلام الاقتصادي لا يعدو كونه تمهيداً لمرحلة لاحقة وهي مرحلة الانسحابات الأحادية الجانب وتحديداً من مناطق "ج" رغبة منها في عدم الاعتراف بأي حدود معينة للفلسطينيين، والإبقاء الوضع عائماً لتستطيع في النهاية حسم الأمور بشكل كامل على الأرض.
فليس من قبيل الصدفة بأن بدأت إسرائيل وبرعاية أميركية إعادة طرح فكرة السلام الاقتصادي الذي صرح به نتنياهو فور انتخابه بأنه يؤمن به، وأنه أقصى ما يمكن ان يقدمه للفلسطينيين، حيث عُقد في الثامن من شهر آذار من العام الحالي في العاصمة التشيكية براغ مؤتمر اقتصادي يناقش ما يسمى بمبادرة اقتصادية تهدف الى "تغيير جذري وتنمية جوهرية في الاقتصاد الفلسطيني" .
إن تعزيز ودعم الاقتصاد الفلسطيني يشكل جزءاً مهماً وحجر أساس لبناء الدولة الفلسطينية المستقبلية، ولكن وليس بديلاً عنها كما يريد نتنياهو وقادة اليمين المتطرف في إسرائيل، فلا اقتصاد ينمو بلا دولة ولا سيادة ولا تواصل جغرافي، ولا تنمية مستدامة بدون دولة تحظى بمؤسسات قوية ومستقلة، ولا استثمار حقيقياً في دويلة مقطعة الأوصال وجزر لا تُطلُ حتى على مياه، فالاقتصاد القوي والحقيقي لا يتحقق إلا بقيام دولة مستقلة تسيطر على مقدراتها ومواردها وأراضيها ومياهها وبحارها وهوائها .... دولة غير منقوصة السيادة متواصلة الأركان تحكمها سواعد أبنائها.
بلا شك فإنه يتحتم علينا كفلسطينيين أن نكون مستعدين لكل السيناريوهات التي يحيكها قادة الاحتلال، والتي تبدأ بسلام اقتصادي وتنتهي بانسحابات محدودة ومدروسة لن تخدم إلا الاحتلال ودولته ونكون حينها، وفي حالة عدم وجود خطة للتصدي لهذه السيناريوهات، مُضطرين لقبول أهون هذين الشرّين.