خبر : هل يخلي الذين أخفقوا المكان؟ ...مهند عبد الحميد

الثلاثاء 06 مايو 2014 09:28 ص / بتوقيت القدس +2GMT



انتهت مسيرة البحث عن حل سياسي ينهي الاحتلال الإسرائيلي لأراضي 67 إلى الفشل الذريع، وانتهى معها الحل الموعود لقضية اللاجئين. أمام هذا الإخفاق بدت الإدارة الأميركية التي احتكرت الوساطة طوال الوقت عاجزة عن وضع مساحيق تجميلية على حل الفصل العنصري الإسرائيلي "الابارتهايد"، ولم تتجاوز "الرباعية" الدولية حدود الموقف الأميركي، أما مبادرة "السلام" العربية فقد أهالت الحكومة الإسرائيلية التراب عليها لأنها لا تحتاج الى هذا النوع من السلام، فقد كرر شارون ومن بعده نتنياهو ما فعله بن غوريون بمبادرة الحكام العرب غير المعلنة التي تقبل بإسرائيل مقابل إقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين، قال بن غوريون حينذاك : لماذا نقبل بعودة اللاجئين ودولة بعد ان هزمنا العرب" بحسب "توم سيغف" في كتابه "الإسرائيليون الأوائل". اخفق النظام الدولي، واخفق النظام العربي في إيجاد الحل بمواصفات الغالب والمغلوب، دون اكتراث بنتيجة الإخفاق، ودون محاولة علاج أسبابه، وكأنه قدر لا فكاك منه.

الإخفاق لا يحتاج الى إيضاحات كثيرة فهو بالمختصر المفيد حدث لأن إسرائيل كانت على الدوام حرة في رفض وقبول اي شيء دون مساءلة وضغط وإلزام وعقوبات، وهي بهذا المعنى فهي غير ملزمة ولا مضطرة للتراجع لا عن الأرض ومواردها ولا عن السيطرة على شعب آخر.
ان ترك إسرائيل حرة في رفض قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي لم يكن بلا مغزى، والمغزى ان مستوى خلاف النظام الدولي الثانوي مع إسرائيل لا يتطلب ممارسة الضغط ولا يستحق اكثر من لوم مهذب، كما ان الانحياز الأميركي لإسرائيل لا يتطلب ضغطا على المصالح الأميركية ولا حتى على المصالح الإسرائيلية من قبل القوى النافذة في النظام العربي، استنادا لهذه المعادلة فإن النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة والنظام العربي لا يملكان حلا للقضية الفلسطينية.
وطالما بقيت قواعد العملية السياسية على هذا المنوال، طالما بقيت إسرائيل حرة في إدامة الاحتلال، فلا حل للقضية الفلسطينية غير بنتوستونات الأبارتهايد " الفصل العنصري.
كانت إسرائيل تخشى تغيير قواعد السياسة التي أفضت الى الهيمنة الأميركية الإسرائيلية بعد اندلاع الثورات العربية. غير ان التدخلات الهائلة المعلنة والخفية نجحت حتى الآن في قطع الطريق على الثورات الشعبية، ومكنت الثورة المضادة من تغيير المسار الذي يؤدي الى طرح المصالح الحيوية الأميركية والغربية على بساط البحث.
هل كان المستوى السياسي يحتاج الى 23 عاما كي يكتشف قواعد العملية السياسية العقيمة، التي أفضت الى لا شيء، بل إلى نتائج عكسية كتعميق الاحتلال ومضاعفة الاستيطان والنهب؟ هل كان الشعب الفلسطيني مضطرا الى دفع ثمن الرهان الباهظ على الحل الأميركي طوال الوقت؟ وفي هذا الصدد ما أكثر الخسائر والتحولات السلبية والتشوهات التي علقت بمرحلة الانتظار المديدة.
إن كل نظريات وتجارب الاستعمار القديم ونظريات وتجارب ما بعد الكولونيالية تقول لا كبيرة، وكان يمكن اختصار الوقت. كان يمكن العمل بسياسة امتلاك وتجميع عناصر قوة والكف عن اعتماد سياسة "القوة في الضعف" بذريعة عدم إخافة دولة الاحتلال والأميركان.
هل كانت المعارضة تحتاج الى كل هذا الوقت كي تؤسس مقومات الانتقال الى خيار بديل، واستقطاب خارج الرهان على "السلام الأميركي"؟
مرحلة التفاوض والبحث عن حل سياسي وعملية البناء التي ترافقت معها، تحتاج الى تقييم ومراجعة نقدية تضع النقاط على الحروف وتحدد المسؤوليات. وقد بدأت فعلا المراجعة بثلاثة مستويات. الأول : مؤسسات ومراكز وباحثون وأكاديميون، هؤلاء يواصلون تقديم أوراق بحثية ومقترحات. ثانياً : إعادة تشكل المزاج العام بروحية البحث عن بديل. ثالثاً: المستوى السياسي الذي يبحث عن خيارات بما في ذلك خيار العودة للمفاوضات.
الاعتراف بالإخفاق وأسبابه، يقود وهو الأهم إلى الخروج من المسار الذي أوصل الى الإخفاق. ويلاحظ ان الإدارة الأميركية مصممة على إبقاء مسار تفاوض وعملية سياسية افتراضية " طحن بلا طحين" والتثبيت على سياسة إدارة الأزمة، والتخفيف من أعراضها وتأثيراتها السلبية، وبهذا المعنى تعطيل الخيارات الفلسطينية الأخرى.
الحكومة الإسرائيلية بدورها تسعى الى استمرار استخدام أوسلو كغطاء لتعميق الاحتلال والاستيطان ولتعطيل الفعل الفلسطيني وإضعافه إلى أبعد الحدود. كل هذا مقابل مستوى من الدعم المالي والسياسي الذي يساعد بقاء الأمور على حالها.
إن الخروج الفلسطيني من مسار المفاوضات العقيمة واللا حل يرتبط أوثق ارتباط بإعادة بناء البيت الفلسطيني، بتجديد البنية السياسية والإدارية والتنظيمية، وبمعالجة التشوهات التي لحقت بالمؤسسة الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية.
لقد اعتاد المستوى السياسي على وضع إصلاح وتجديد البنية على هامش أجندته، واعتاد إرجاء هذه العملية الى ما بعد التوصل الى حل. ولما كان الحل متعذراً ومشطوباً من الأجندة الإسرائيلية الأميركية، لم يبق ما يبرر التأجيل والانتظار.
كانت البرامج خلال عقدين تطرح مهمة التوصل الى حل ينهي الاحتلال من خلال المفاوضات، وعند المعارضة كانت البرامج إنهاء الاحتلال بلا مفاوضات. عندما تفشل القوى السياسية في تحقيق برامجها، يقول المنطق ان الذين اخفقوا من المفترض أن يخلوا مكانهم في الصف القيادي إلى قوى جديدة والى دم جديد من داخل التنظيمات وخارجها.
هل يفتح المستوى السياسي المجال أمام عملية تغيير وتجديد تستند الى معايير جديدة في مجال انتخاب قيادة جديدة وفي مجال إعادة بناء مؤسسات جديدة، ومنظومة قيم جديدة ومتطورة، وأشكال نضال جديدة، وتحالفات جديدة.
إن كل تجمعات الشعب الفلسطيني تعيش حالة من التأزم الذي لم يسبق له مثيل والذي لم تتمكن المؤسسة ( المنظمة وسائر التنظيمات السياسية) من حله. بل لقد ساهمت في عدد من البلدان في مفاقمته. لا يعقل بقاء مجلس وطني في حالة انجماد، ولجنة تنفيذية بالمحاصصة القديمة التي عفا عليها الزمن.
التغيير والذهاب إلى البناء هو مقياس الوطنية الفلسطينية الراهن، ومقياس الرد على التحديات الكبيرة، ثمة حاجة الى تجديد النضال ضد الاحتلال ومن أجل الحقوق. لا يعني التغيير والتجديد المقامرة بالوضع ودفعه إلى الانهيار. التغيير المطلوب من اجل قطع الطريق على الانهيار. فهل من مجيب؟
Mohanned_t@yahoo.com

مهند عبد الحميد