تواترت زيارات باباوات روما للأرض المقدسة، أو انتظمت، بخاصة منذ العام 2000، حيث زارنا البابا يوحنا بولس الثاني لمناسبة مشروع "بيت لحم 2000"، وفي العام 2009 كرّس البابا بنديكتوس تقليداً بزيارات أو "حج" البابوات للأرض المقدسة، وأيضاً دعا في بيت لحم إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
مع هذا، فإن زيارة البابا فرنسيس هذا الشهر، المصادف للسنوية الـ 66 للنكبة الفلسطينية، قد تكون تفوق في الأهمية زيارة العام 1964 للبابا بولس السادس ولقائه في قمة مسيحية مع البطريرك الأرثوذكسي أثينا غوراس. لماذا؟
هذه أول مرة، منذ عام النكبة وإقامة إسرائيل سيرافق البطريرك الماروني اللبناني بشارة الراعي بابا روما، إضافة إلى لقاء البابا مع بطريرك القسطنطينية، بمناسبة نصف قرن على القمة المسيحية في العام 1964.
قبل ذلك، زار بطريرك روسيا الأرثوذكسية الأرض المقدسة، وخصوصاً كنيسة المهد في العام 2012، لأن فلسطين هي قبلة المسيحيين وكنائسهم كافة.
حتى الآن، تجنب رأس الكنيسة المارونية مرافقة زيارات باباوات روما، على الرغم من أن الكنيسة المارونية تعتبر الكنيسة العربية الأوثق علاقات مذهبية ودينية مع الكرسي الرسولي في روما، فلم يرافق الكاردينال نصر الله صفير البابا يوحنا الثاني في حجته إلى الأرض المقدسة العام 2000.
رسمياً، لبنان دولة معادية لإسرائيل، لكن سياسياً، أيضاً، فالكنيسة المارونية، خلاف بعض الأحزاب السياسية المارونية التي تحالفت، في وقت ما، مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية، بقيت ضد السياسة الإسرائيلية في فلسطين، وأيضاً ممارساتها في لبنان، وتدخلها في شؤونه.
هناك في لبنان من اعترض على زيارة البطريرك بشارة الراعي وله أسبابه السياسية، لكن برنامج زيارات البابا فرنسيس، الذي يبدو متوازناً سياسياً في قواعد البروتوكول، يبدو منحازاً دينياً لصالح الفلسطينيين.. لكن زيارة البطريرك الراعي منحازة سياسياً ودينياً، أيضاً.
رئيس السلطة الفلسطينية أعدّ استقبالاً رئاسياً للبطريرك اللبناني في بيت لحم، وكذلك يتضمن البرنامج لقاء مع مفتي القدس في باحات المسجد الأقصى، وآخر مع أطفال مخيمي الدهيشة وعايدة في بيت لحم.
هذا يعني أن زيارة رأس الكنيسة المارونية، التي تعدّ سابقة أولى منذ 66 سنة (قيام إسرائيل) ستغدو تقليداً، كما أرسى بابا روما بنديكتوس السادس عشر تقليد الحج للأرض المقدسة (اسمه يعني المبارك).
هناك حوالي 10 آلاف فلسطيني مسيحي في فلسطين بأسرها يتبعون الكنيسة المارونية، بينما معظم الفلسطينيين المسيحيين يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية، ولو أن الكنيسة القبطية المصرية تحظر على رعاياها، حتى الآن، زيارة مقدسات فلسطين تحت الاحتلال.
في الواقع، فإن علاقات فلسطين مع كل الكنائس المسيحية جيدة أو جيدة جداً كاثوليكية كانت أم أرثوذكسية أم قبطية، وعارضت الكنيسة المارونية سياسة بعض الأحزاب السياسية اللبنانية في تحالفاتها المؤقتة والنفعية مع إسرائيل إبان الحرب الأهلية، وخلال زيارته الرسمية للبنان شملت زيارة الرئيس عباس لقاء مع البطريرك الماروني في بكركي، مقر الكنيسة.
حتى في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، كان هناك رجال دين مسيحيون عرب، يتبعون الكرسي الرسولي في روما انخرطوا في النضال الفلسطيني، مثل هيلاريون كبوجي، الذي اتهمته إسرائيل بنقل سلاح وأموال للفلسطينيين، واعتقل وحوكم.. ثم ذهب إلى روما بعد الإفراج عنه.
معظم الفلسطينيين المسيحيين الموارنة هاجروا، بعد النكبة إلى لبنان، ومعظمهم حصل على الجنسية اللبنانية، لكن الباقين تعرضوا، مثل بقية شعبهم إلى الاضطهاد، كما في قصة القريتين المارونيتين، أقصى شمال فلسطين، إقرث وكفر برعم، الذين هجّرتهم إسرائيل بكذبة مؤقتة، لكنها مستمرة حتى الآن وتمنع عودتهم إلى قريتيهم.
في لبنان يتنافس عدة سياسيين وعسكريين ومدنيين موارنة على منصب رئاسة الجمهورية، ويحتد التنافس هذا الشهر بين من يعتبر مؤيداً لسورية وحليفاً لها ولحزب الله، وبين من يعتبر معارضاً لسورية.
اللاجئون الفلسطينيون في لبنان لا ينتخبون، ومع ذلك فإنني أميل إلى المرشح رياض سلامة، مدير البنك المركزي اللبناني، والشخصية المصرفية اللبنانية المحترمة عالمياً.


