استلقى الراعي حنتوش الزِّرْعِيني، وهو ينفث دخان سيجارته المغشوش بالتركي وِالصيني، بَعدِ ارتفاع أسعارْ الخِشِنْ وِالمَجْروشْ وِالمفروم عالسِّكينِه. فنام كعادته نومَة الرعيانْ، من تحته الصَّرارَ والصُّوَّانْ، والحجارة والرُّظفانْ، ومن فوقه لهيب الشمس ناراً بِلا دُخانْ، وحوله الحَب ذو العَصْفِ والرَّيْحانْ. كَشِراعٍ بلا شُطآنْ، وخانٍ مفتوحَهْ على أتانْ، وناطور يُرابِطُ تائهاً بِلا عُنوانْ، ينطُرُ فَضاءً بِلا بُستانْ. ينفُخُ في النّاي ألحاناً عذبَة منظومَهْ، فَتنفخُ الدنيا من حوله رياحاً عاتيةً مسمومَهْ، في بلادٍ أصابَها القَهْرُ والشعوب مَكْلومَهْ. وأخذ يستذكر تلك الليلةَ المشؤومَهْ، حين جاءه الذئب ولم يحضر الناس ليُنقذوا حياتَه المهْدومَهْ. وقطيع الأغنام يتراقص على صوت النايْ، مُمتداً على طول سفح الجبَل وطول الطريق الراَّيِحْ معِ الجايْ، مِش فارقَه مع حَنْتُوش مين اللي عامِلْ قَبَضايْ، البَلَدْ مِثِل طبيخِ النَّوَرْ لِمْخَبِّص بِالمِخْلايْ، وْصَب السكر عالمِلِحْ وِالقهوِة عَ الشايْ، يعني أعظَم مُشْكِلِه عِندُه حِيشاكُمْ عَ الصُرْمايْ.
يتوقف الجيب على خاصرة الطريقْ، وينزل منه رجلٌ مُنَعَّمٌ أنيقْ، بأنفِهِ المِعْوَج مِثِل بَعْبُوزِةْ لِبْريقْ، ونظارته السوداء وحاسوبِهِ وَلا رئيس فَريقْ، بِتْمَخْطَر وْبِعْرُمْ وِبْيِتْهَدْرَس مِثِل طائِرِ البَطريقْ، وْلو كانت إمي موجودِهْ لَقالَتْلُو بِيْليقْ عَ جَلِّيْكْ، وْبَلَّشْ يْغَني بين قاقٍ وَقِيْقْ: لست أنساك وقد أغريتني بِفمٍ عذبِ المناداةِ رقيقْ، ويدٍ تمتد نحوي كَيَدٍ من خلال الموجِ مُدت لِغَريقْ، وبريقٍ يظمأ الساري لهُ أينَ من عينيك ذاكَ البريقْ، وْكُل هذا الحَكي وْهُو بَعْدُهْ بِتْطُوطَحْ بالطَّريقْ.
ثم ينطلِقُ مُسرعاً نحو الراعي، وهو يعلَم أن السُّرعَة بِلا داعِ، خصوصاً لمن أتقَنَ العَزْفَ على النُّوتَه وِالسَّماعي، فيبادره سائلاَ السيد حنتوش الراعي، عن المصالحات وِالمَساعي، وعن السلام بالشامِل وِالقَطاَّعي.
المهم، لما وصل إليه الرجل الأنيق، قال لهُ متحدياً: ما رأيك أيها الراعي أن أعرف لك من نَظْرَة واحِدَة، كم رأساً من الغَنَم معك في هذا القطيع، وإذا حَزَرْت تُعطيني خاروف.
جالَ حنتوش بناظِرَيْهِ على قطيع الغَنَم المنتشر على طول سفح الجبَل وعَرضِهِ، ثم أجابه وهو لا يكاد يَشيلَهُ مِن أرضِهِ، قائلاً: موافق، كم عددها؟
فقال: يوجد في هذا القطيع 167 رأس.
فَدُهِشَ حَنتوشْ من دِقَّة الإجابَة، وقال له : حَلال عليكْ، يا حبيب والديكْ، خذ الخاروف الذي تريد بايِن رِزِقْتَك بين اجْرِيْكْ.
حَمل الرجل أحد الخرفان ( ويا عيني شو في بِبلادنا خِرفان وْجُرذانْ، وأشباه رْجال على أشباه نِسْوان، وْأغبِيا جاهلين وِمْفَتْحين على عِمْيانْ، وْناس حَفايا عَرايا مَكشوفين الراَّس عَ ناسْ لابْسِه مِن بْييرْكاردانْ، إشِي بْراس وْإشِي بَلا راسْ وإشي بْذانْ وْإشِي بَلا ذانْ، العَمْيَة اتْحَفِّف مجنونِه وِالنايِمْ بِيْصَحِّي النَّعْسانْ، وِخْيار عَ فَقوس عَ بِيتِنْجانْ). وقفل عائداً إلى السيارهْ، حاملاً الخاروف بِخِفِّه وْشَطارَهْ، وقبل أن يصل لِبابِ السيارهْ، ناداه حَنتوش قائلاً: هِيْ يا أستاذ من فضلَك شْوَيْ، شو رأيَك أن أعرف لَك مين إنتِ يا خَيْ، وْإذا حَزَرِت بِتْرَجِّع لي الخاروف اللي أخذتُو من قُداَّمْ عِيْنَيْ؟ وصار يغنيلو: خَيْ خَيْ حبيبي ليه آسي ليهْ يا خَيْ، وساعة يْغنيلو: شْوَيِّةْ مَيْ قَلَبُو الحَيْ، عَمَلوها حْكايَهْ قِصَّهْ وِرْوايا، كُل القصَّه وْما فيها شِرِبْتَ انا قَبْلُو وِشِرِبْ ورايا، والهوى هوايا والنسمة اللي تاخدنا تِرجَع شايْلَه الحِكايا، وْلَو خابِت ظُنوني يِصْحَي فْ لِيلِكْ مُنايا، مِشْ بَمْلِك يا أميرَة من أحلامي الكِبيرَة غير ضَحْكي وْبُكايا، ويا حبيبي شو عِمْلُوا فينا عَمايِلْ وْشُو سَوُّوا سَوايا).
فأجابه الرجل المَهْروشْ: موافق يا سيد حنتوشْ، اتفَضَّل إحكي مين أنا.
قال حنتوش: أنت بالتأكيد تِكنوقراطي.
فَبُهِتَ الرّجل وأصابته الدَّهشَة أنهُ قد ضَيَّعَهْ، كيف لهذا الراعي أن يَعرِفَهْ، دون أن يراهُ من قبل أو يَسْمَعَهْ ( يعني لازم يغنيلو وِيْقُولُّو وْلَلِّي مَعَهْ، أفْديهِ إن حَفِظَ الهَوَى أو ضَيَّعَه)، وأردف متَسائلاً: ولكن كيفَ عرَفتني أنني تكنوقراط ؟!!
فأجاب حنتوش وهو يبْتسِم : لأنو الخروف اللي حضرتَك حامْلو مِشْ خاروف، هذا كلْب يا فَهيمْ. ( بالله عليكم قديش في عندنا ناس حامله كْلاب بِيتْفَكِّرها غزلانْ، وقديش في ناس شايْلِه حِثَّانْ وِمْفَكِّرْتُو صِوَّانْ، وقديشْ في ناسْ راكْبِه عَظَهِر غيرها بالزُّورْ وِالهِيْلَمانْ، مع إنْهُم فاسْقين قَليلين دينْ وِبْيِنْعَقُوا مِثْلِ الغِرْبانْ، لا بِعِرْفُوا ألله ولا بِيْصُوموا شعبانْ وَلا رمضانْ، بِدناش مِنهم صَدَقَهْ وَلا إحْسانْ، وْبِدنا انْغَني بِعِلْوِ الصوتْ وِالفَمِ المَلْيانْ، إبْعِد يا شْطانِ ابْعِد يا شْطان ابْعِد يا شْطانْ، وِان جِيْتْ مِ الباب حَنْرُد الباب وِنْعِيشْ بِأَمانْ، وِان جِيت مِ الْحِيطْ حَ انْسِدِّ الحِيط بِحَجَرْ صُوَّانْ. أقُولْكُوا، اتْفو على الزمن اللي خَلَّى الواطِي عالي وِالعالي واطي، وِالبُوم وِالغِرْبان تِعْمَل فيها سُنْباطِي).
لكن بَعود وْبقول، إذا قُدِّر لهذه المحاولَة الجادَّة والصادقة من قبل الرئيس محمود عباس أبو مازن، أن تعبر بحر الظُّلُمات الذي يتهدده ويتوعده، فإننا سنكون أمام تشكيل حكومَة كفاءات " تكنوقراط"، وبالتالي أتمنى أن نجسد في تجربتنا ولدى اختيار أعضائها وطواقمها، الوجه العمَلي الفعلي لهذا المفهوم، وليس التقليدي الشكلي المفرَغ من مضمونِه مقدماً، لحسابات وأجندات السياسة والفصائلية الضيقة. (على فِكرة، يقال أنه عندما ألقي القبض على مسؤول كبير لإحدى المؤسسات الكبرى في دولة عظمى، بتهمة التجسس لحساب دولة أجنبية، أفاد أن المهمة الوحيدة التي كانت مطلوبة منه، هي فقط أن يقوم بوضع الشخص المناسب في المكان غير المناسب داخل مؤسسته).
نعم يا سادتي، يتوجب علينا أن نحترم مفهوم التكنوقراط، الذي يعني تحديداً حُكم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنوطة بهم، لا سيما التخصص في مجالات الاقتصاد من تجارة وصناعَة، ولا دَخْل لهم غالباً في أمور السياسة والأحزاب.
الرئيس أبو مازن لم يدخر وُسْعاً أو يألُ جهداً، في سبيل إنجاح المصالَحَة، وموضوع تشكيل حكومة الكفاءات مرهونٌ بها، لكننا لا يجوز أن ننسى أن طريق جهنم مزروعَة بالنوايا الحَسَنة، وأصحاب المصالِح الفردية والفئوية الضيقة، هم الذين يمكن لهم فَرْكَشَة المصالحة لحساباتهم وليس غيرهم، كيف لا وهم الذين ظلوا يؤمنون الذرائع للخصم للوقوف بوجه شعبنا ومصالحه وطموحاته. فلا خيرَ بِتكنوقراطي فَذْ إن كان لِصاًّ فاسِداً، ولا خير بعالم دينٍ إن كان أفَّاقاً وفاسقاً حاسِدا.
ثمة حقيقة ينبغي أن لا تغيب من بالنا، وهي أنه إذا كان وجود الرئيس أبو مازن يشكل فرصَة للمنطقة في تحقيق السلام قد تندم على إضاعتها إسرائيل، فإن في وجوده أيضاً فرصَةً بنفس القَدْر من الأهمية وأكثر، لا ينبغي لشعبنا أن يضيعها لتحقيق ما تبقى له من الحُلُمِ المُتاحْ.
فالرئيس متمسك وجاد في المصالحة، ويدرك جيدا الثمن والتبعات والاستحقاقات المطلوبة. والسلطَة بالنسبة له وجدت لتقود وتدير مرحلة انتقالية توصل الشعب الفلسطيني لدولة، وهذا مشفوع بالاتفاقيات الموقعة، رغم أن الإسرائيليين عملوا على افراغ هذه السلطة من مضمونها كسلطة لدولة تسير نحو الاستقلال، لجعلها سلطة في خدمة الاحتلال وتحت الاحتلال.
صحيح ان التوجه لمؤسسات الأمم المتحدة حق مكفول لنا بصفتنا دولة غير عضو في الأمم المتحدة. لكن من حق الرئيس ان يرى الأمور بمنظار الحكمة وعدم الاندفاع مرة واحدة، إذ لابد من الاحتفاظ بباقي أوراق الأمم المتحدة واستمرار التفاوض مع الجانب الإسرائيلي بيد وأوراق العضوية في اليد الأخرى.
صحيح أن المصالحة مع "حماس" أعطت لنتنياهو حجة وذريعة يتباكى من خلالها على السلام وان السلطة تتحالف مع الإرهاب على حد زعمه.
لكن نحن اليوم على منعطف خطير وعلى الجميع أن يدركوا ذلك ويأخدوه بالحسبان، وبالتالي لا بد من اتخاذ خطوات، قد يكون لها ثمن وأعراض جانبية، ليس أقلها أن نحسم امرنا ما إذا كنا سننتخب برلمانا ونقر دستورا لدولة من الداخل والخارج وهو ما سيلغي المجلس الوطني ليحل محله البرلمان، ام مجلسا تشريعيا لسلطة باتت مسلوبة ومستباحة من قبل سلطات الاحتلال.
نعم يجب حسم هذا الأمر، ووضع الجانب الإسرائيلي أمام خيار فلسطيني جدي، يتحمل الاحتلال مسؤولياته الكاملة في رعاية وحماية الشعب الفلسطيني بدلا من إعفاء نفسه من ذلك وإلقاء هذه المسؤولية على السلطة التي ما زالت تجوب الأرض لإقناع المانحين بتأمين الأموال اللازمة لتقديم الخدمات للشعب الفلسطيني الواقع تحت وطأة الاحتلال، وذلك وفقا للقوانين والاتفاقيات الدولية، وهذا ما أكد عليه الرئيس قولاً وعملاً.
في ضوء كل هذا، وإذا قدر للمصالحَة أن تعيش، وللحكومة المُزمعَة أن تتشكل، فإننا مطالبون بالالتزام بمفهوم ومكونات التكنوقراط سالف الذكر، على أن تتوسع مساحاته في حيز التنفيذ، ليشمل شريحة اوسع من شريحة الجامعات، لكي لا نصبح أمام هيئة تدريسية جامعية، أو نقابة هندسية، بدلاً من حكومة تكنوقراطية نقيِّة. قولوا فيَّ ما شئتم فهذهِ الحقيقة التي أرى.
asefqazmouz@gmail.com


