خبر : ركزوا على ما يجمع ويوحد بدلاً من الطرق على ما يفرق ويباعد ..بقلم: حسين حجازي

السبت 03 مايو 2014 08:56 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ركزوا على ما يجمع ويوحد بدلاً من الطرق على ما يفرق ويباعد ..بقلم: حسين حجازي



إذا تغلبت أخيراً روح الفطنة السياسية الحكيمة والعقل على الأخوين الكبيرين "فتح" و"حماس"، وبدا كما لو أن أملاً جديداً يبعث في الروح الجماعية للشعب، من أننا وقد عدنا من ضلالنا إلى سدة الرشد، وقد بتنا الآن اكثر قرباً من النصر. إلا انه وللأسف فإن التجارب تدلنا على أن الواقع غالباً ما يأبى أن يسلم بهذا الفراغ، حتى تسارع الحماقة في التعبير عن وجهها بقناع جديد.


وهكذا بدعوى الحرص والحماسة الغيورة على إتمام المصالحة التي هي الغاية واللذة الكبرى، فان التشكيك والتنفير المبطن وإذكاء الوساوس يرتدي طابعاً من الرياء والنفاق، الذي يجد تعبيراً عنه بالمزايدة والتطرف كما افتعال شجارات "خطابة تشاجرية" يتم افتعالها، دونما أسباب حقيقية أو مقنعة وإنما لإدامة مناخ فاسد من عدم الثقة بصورة مجانية ومعاكسة للمزاج الإيجابي العام.


وهنا مع كل المحبة والتقدير للأخوة في الجبهة الشعبية سؤال واحد، ما معنى الانسحاب في هذا التوقيت من المجلس المركزي على خلفية الموقف من استمرار التمسك بالمفاوضات؟ وأحيلكم فقط الى ما يعني ان يكون عليه سلامة الفطنة السياسية الحكيمة، من هذا الموضوع ليس على لسان متحدث من "فتح" او "حماس"، التي يجب التنويه هنا أنها تُظهر تعقلاً واضحاً ومسؤولية شجاعة ومناعة صلبة، على لسان المتحدثين باسمها إزاء هذه المزايدات، وإنما على لسان قيادي يساري ورفيق عجوز قديم هو قيس عبد الكريم "أبو ليلى" نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية، الذي لاحظ أنها من المرات النادرة التي يقوم بها المجلس المركزي الفلسطيني، بوضع الضوابط لتصويب الأُسس والمرجعيات التي ينبغي أن تقوم عليها هذه المفاوضات، بما يتوافق مع القرارات الدولية للأمم المتحدة والثوابت الفلسطينية، بخلاف المرات السابقة التي ترك فيها تحديد هذه الضوابط. فلماذا الآن ايها الأصدقاء في الجبهة الشعبية اتخاذ هذا الموقف في الوقت الذي يتصلب فيه الرجل أقصد أبو مازن و"فتح" كما المجلس المركزي؟. فهل المقصود هنا واسمحوا لنا بهذه الإحالة الافتراضية وهو المزايدة على "حماس" مثلا، كرسالة مفادها: انظروا، إنكم تهرولون الى المصالحة وتغمضون أعينكم عن هذا الانحراف الذي اسمه المفاوضات.


للأخوة في الجبهة الشعبية كل الاحترام، وكذا للأخوة في "الجهاد الإسلامي" وبعض المتحدثين من هنا وهناك في الشأن الفلسطيني وهم كثر، ولكن يا إخوان في مثل هذه الحالة والظروف وما كدنا نصدق انفسنا أخيراً أننا طوينا هذه الصفحة السوداء، لماذا التركيز على ابراز نقاط الخلاف أو النفخ أو الطرق على النقاط المتبقية من تفاصيل الشقاق، والتي يقال إن الشيطان غالباً ما يتسلح بها ويجمعها لإفساد المصالحة والوحدة، التي هي سلاحنا الأقوى وكل ذلك بدلاً من التركيز على تعظيم النقاط الإيجابية للبناء عليها وتطويرها، والدفع بالروح المعنوية بالطاقة الإيجابية وفق نظريات البرمجة العصبية. وحيث ان "حماس" هنا لم تُعر أُذناً صاغية لكل هذه الأشياء، وقالت وفق قاعدة تنمية النقاط الإيجابية إن خطاب الرئيس أبو مازن يحتوي معظمه على هذه النقاط الإيجابية، التي يمكن البناء عليها وتطويرها. أو ليس هذا هو الموقف الثوري والوطني المسؤول، والذي يريد المضي في إنجاح المصالحة بالتركيز على ما يجمع ويوحد لا على ما يقسم ويحبط وينفر؟.


يأتي وقت لنقول فيه كفى لمثل هذه المحاولات التي باتت غير مقبولة لإفساد وعي الناس، حينما يراد القول لنا إننا دائما فاشلون ولا نستطيع ان نتوحد، وان كل مبادراتنا مشكوك بها ومقضي عليها بالفشل، ولاحظوا هنا كيف ان الإعلام الإسرائيلي الموجه ولا تصدقوا انه غير موجه، يقوم من جانبه في إطار الدعاية السوداء، بصب الزيت على بقايا جمر النار في التقارير عن جنازة الأخوين عوض الله في رام الله : أن انظروا الى تهديد "حماس" القادم وكأن "حماس" هذه الجديدة والمكتشفة حديثاً في جنازة الأخوين عوض الله في رام الله، قد هبطت من السماء فجأة ولم تكن أصلاً قوة وازنة في الضفة، وان ثقل قوتها أصلاً ما جعل الانقسام انقساماً أُفقياً في الشارع الفلسطيني، ولو كانت قوة لا يعتد بوزنها لما أدى هذا الخلاف الى حدوث الانقسام أصلا.
إن الذئاب لا تنال وكذا الوحوش المفترسة إلا من أطراف القطيع، الحملان المريضة والمعزولة والضعيفة والمنفصلة او الشاردة. وهكذا فإن "فتح" الكبيرة و"حماس" الكبيرة ومهما ارتكبتا من الأخطاء فإنهما يظلان اكثر استعصاء على الافتراس كما الضلال، وحتى لو ضلا قليلاً او انحرفا عن الصواب فان لديهما في قوتهما ما يعيدهما الى هذا الصواب، الصراط المستقيم.
وهكذا فان "فتح" تظل لا يمكن التلاعب بها او حرفها عن المسار، كما لا يمكن الضحك عليها سواء في ظل قيادة عرفات أو أبو مازن. حيث اليوم "حماس" تتحضر بنفسها لاستقباله في غزة استقبالاً يليق بالرئيس وبالأبطال.
وهكذا تتصرف قوة كبيرة واثقة من نفسها حين تقرر المصالحة وإنهاء الانقسام، فان "حماس" وإسماعيل هنية هو من يؤبن السيدة زينب الوزير في الجامع العمري. وهاتان القوتان "فتح" و"حماس" هما من تحسب إسرائيل حسابهما، لأنهما قوتان على قدر كبير من الانضباطية ويملكان سياسة واضحة.


لكم أيها الإخوان الغيورون على محو هذه الصفحة السوداء التي هي الانقسام، كل الاحترام لأنكم تريدون سد كل الثغرات وتقصير المسافات لئلا نعاود الفشل من جديد، وان هذه النوايا الطيبة لا يجب إغفالها او تجاهلها، ولكن لينين الذي كان يحب ان يردد المثل القائل بان بلاط جهنم معبد بالنوايا الطيبة، اذا لم يُصَر الى امتلاك الوعي المطابق للواقع مع الظروف الملموسة والمعطاة، وتحديد المهمات المباشرة عند اللحظة الحاسمة.
وهذه المهمة اليوم هي الارتقاء بالروح المعنوية للشعب والوعي الوطني الجماعي الى مستوى التحدي الراهن، والمتمثل أولاً باستعادة الوحدة الوطنية وترميم آثار الانقسام وبصورة تامة، واستعادة زمام المبادرة الفلسطينية لمواصلة الهجوم الاستراتيجي الفلسطيني المعاكس الذي بدأ الآن، ومن ثمة إغلاق الثغرات والشقوق التي يمكن ان يتسلل منها العدو لإحباط الروح المعنوية، واستعدادنا لمواصلة القتال. وهذا يعني أن نتفق على كيفية إدارة الحوار الجماهيري على أُسس وقواعد تؤطر مفهوم هذا الحوار، الذي يعني تنظيم إدارة الاختلاف.


وأقول ان هذا الحوار وحتى الاختلاف يجب أن يظل قائما لأنه الضمانة بان تظل الحديقة الفلسطينية مزدانة بالأفكار، والتعددية التي تثري الروح للتخلص من أكسدة الدماغ، العقل الجماعي الذي يجد ثراءه الفكري حتى أحيانا في هذه المجادلات المشار إليها، التي تتيح لنا الفرصة لإقامة هذا السجال، وصولاً إلى تطوير وعينا بكيفية إدارة هذا الاختلاف وإنضاج هذا الوعي بنقاط ضعفنا، والمشكلات التي لا تزال تكتنف داخلنا.