خبر : نحو فهم أدقّ وأعمق للمعركة الدبلوماسية ...بقلم: د. عبد المجيد سويلم

الخميس 01 مايو 2014 02:43 م / بتوقيت القدس +2GMT





في ندوة أقامها "تحالف السلام" حول انضمام فلسطين إلى منظمات الأمم المتحدة وشارك فيها كل من د. أحمد صبح و د. سمير عوض تبين من خلالها للجمهور الذي حضر الندوة وتابعها وتفاعل معها بصورة ملفتة للانتباه أن انضمام فلسطين إلى هذه المنظمات يشوبه الكثير من نواقص المعرفة والمتابعة من قبل معظم من يهتمون بهذه المعركة السياسية ويعوّلون عليها ويعلّقون الكثير من الآمال والتوقعات.
فقد تبين من بين الكثير مما تبين أن هناك نقصاً شديداً في شرح أبعاد هذه المعركة الهامة ـ وليس أمامنا هنا إلاّ أن نلوم القيادة الفلسطينية ـ وأن نعتب على وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية والخاصة في شرح أبعاد هذه المعركة وتداعياتها المختلفة.
المشكلة على هذا الصعيد أن مثل هذا النقص يفتح الباب واسعاً أمام الوقوع في عدة أخطاءٍ تقديرية على صلة مباشرة بحسن الأداء الوطني، وعلى صلة أيضا بقدرتنا على إدارة صراع ناجح وفعال على هذا الصعيد.
وفي هذا الإطار هناك منّا من يعتقد أن المعركة السياسية على الصعيد الدولي والنجاح فيها مضمون ومن قبيل تحصيل الحاصل، كما أن هناك من يعتقد أن بمقدورنا وبسهولة كاملة، ودون عناءٍ يذكر أن ندخل هذه المنظمات دون أي تبعاتٍ أو أخطار أو أضرار، وان كل ما علينا هو امتلاك القرار والتقدم بالأوراق المطلوبة.
كما تبين من خلال هذه الندوة الهامة أن هناك من يعتقد على النقيض من كل ذلك أن هذه المعركة هي معركة شكلية ليس من ورائها أية فوائد قادرة على إحداث فرق كبير في واقع الصراع ومعادلة التوازن الذي تحكمه.
وإذا جاز لي أن أوجز أهم الاستنتاجات هنا فإن ما سأقدمه على هذا الصعيد ليس إلاّ تلخيصاً (بتصرّف) لما قاله وأكد عليه وأوضحه الأستاذان الكريمان، فالمعركة الدبلوماسية مع إسرائيل لم تبدأ مع انضمام فلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة، وتصويت أكثر من 130 دولة لصالح القرار كان تتويجاً لمعركة دبلوماسية بدأت مع انطلاقة الثورة وقبل عدة عقود كلّفت شعبنا قيادات وطنية على أعلى درجات الالتزام الوطني والمكانة السياسية والعملية، وكان لهذه المعركة أبعاد كفاحية وتضحيات عزّ مثيلها في التاريخ المعاصر لنضال الحركات التحررية.
كما أن المعركة الدبلوماسية التي نخوض اليوم هي جزء من معركة كفاحية طويلة انتزع شعبنا فيها حقه في التعبير عن هُويّته وكيانيّته الوطنية عبرَ تكريس منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد وانضمامها إلى المنظمات الدولية والإقليمية وتكريس حق تقرير المصير والتحول من عضو مراقب (منظمة التحرير) إلى فلسطين ثم إلى دولة مراقب على طريق العضوية الكاملة.
إن انضمامنا ليس تكتيكياً استخدامياً بقدر ما هو حق طبيعي لنا، أما توقيت وصياغة مشاريع قرارات هذا الانضمام فيعود لحسابات معقّدة لا يبدو للوهلة الأولى أنها مفهومة ومتفهمة لجمهور واسع منا، وهو الأمر الذي يؤكد أن ثمة جهوداً لا بد أن تبذل وثمة ما يجب أن يتم توضيحه ليس للجمهور فقط وإنما لبعض النخب، أيضاً.
كما تبين، أيضاً، أننا وبوعي ومعرفة لا نرغب ولا نودّ أبداً الانضمام إلى بعض المنظمات الدولية حتى لا نكون سبباً في التأثير على الخدمات التي تقدمها هذه المنظمات لفقراء هذا العالم.
فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن انضمام فلسطين إلى منظمة الصحة العالمية والتي تقدم لأطفال العالم الكثير من الأمصال اللقاحية سيعني إلحاق أكبر الأضرار بفقراء العالم حال نفذت الولايات المتحدة تهديداتها بقطع التمويل عن هذه المنظمة.
في هذه الحالة فإن التصويت لن يكون سهلاً ولن تكون المعركة أصلاً عادلة ومحقة.
لهذا كله، فإن معركة إدارة الصراع مع الاحتلال على الصعيد الدبلوماسي هي معركة حسابات دقيقة وصياغات دقيقة وتوقيت مناسب.
كما أن المعركة الدبلوماسية الرسمية شيء هام ولكن معركة الدبلوماسية الشعبية ودورنا مع العلاقة مع منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ومفاتيح الإعلام والثقافة والأدب في هذه البلدان هو جهد تكاملي شامل في أتون هذا الصراع.
نحن من يجب أولاً وقبل غيرنا أن نقوم بهذه الجهود، ونحن من يجب أن يعرف كيف ومتى وإلى أين يمكن أن نخوض هذه المعركة أو تلك، ونحن من يجب أن يمسك بزمام المبادرة في إدارة هذه المعركة من الألف إلى الياء وفي اطار تتكامل فيه المسؤولية والقدرة على الحسابات الدقيقة.
وعندما تتكامل معركة الدبلوماسية الفلسطينية مع جهود لملمة البيت الوطني، ومع المقاومة الشعبية الجادة، وفي معركة واحدة وموحدة مع صمود الناس وتوفير أعلى درجات التمكين الحقيقي للقطاعات المختلفة يمكننا الحديث عن إحداث توازن جديد يتحول فيه الاحتلال إلى كلفة كبيرة وعبء سياسي وأخلاقي وقيمي متصاعد.
هنا يحدث الفرق، وهنا تتعدّل الموازين، وهنا تتحول عزلة إسرائيل السياسية إلى معول لهدم كامل المشروع الاحتلالي.