في معمعان مئة عام من صراع الشعب الفلسطيني بعمقه التحرري العربي والعالمي مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي بارتباطاته ووظائفه الاستعمارية، تبلورت الوطنية الفلسطينية، وتعمقت حتى تحولت إلى معين لا ينضب، ودافعية متجددة، لكفاح وطني مديد، يحركه حلم لا يموت، وتطلعات تحررية لا تنطفئ، لشعب هو، وإن لم يظفر بالنصر الحاسم بعد، لكنه لم يستسلم، وظل، جيلاً بعد جيل، متشبثاً بحقوقه الوطنية والتاريخية في الحرية والاستقلال والعودة.
ما يعني أن عمليات التشتيت القسري والتطهير العرقي المخطط وجرائم الحرب الموصوفة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني، ولا تزال، فشلت في تذويب الوطنية الفلسطينية، أو حذفها من التاريخ والجغرافيا والسياسة، كما خطط، وعمل، قادة المشروع الصهيوني، وكل من رعاه أو تواطأ معه. بل أكثر، فقد جنت حروب قادة الحركة الصهيونية وجرائمهم وفظائعهم، خاصة بعد قيام إسرائيل، عكس ما توخت، حيث تعمقت الوطنية الفلسطينية وتجذرت أهداف تعبيراتها السياسية بإنهاء الطابع الصهيوني لإسرائيل التي لم يترك قادتها - بعدوانيتهم وتوسعيتهم وعنصريتهم - أي متسعٍ للتسوية السياسية أو الحلول الوسط للصراع.
وآية ذلك أن الشعب الفلسطيني ما انفك يجدد ثوراته وانتفاضاته، كمبادرات شعبية هجومية للدفاع عن النفس، ولتعديل ميزان القوى، ولفضح ما لحق به من ظلم قل نظيره في التاريخ المعاصر.
ليس غرض التمهيد أعلاه تقديم درسٍ في تاريخ الوطنية الفلسطينية، إنما التشديد على أن انقسامات النخب السياسية والفكرية القيادية الفلسطينية، لم تفضِ في الماضي، ولن تفضي في الحاضر أو المستقبل، إلى تفريغ المحتوى الشعبي للوطنية الفلسطينية، إنما إلى إضعافه وتشويه صورته وضرب قيمه.
فالنخب القيادية للشعب الفلسطيني إما أن تعزز بوحدتها السياسية متانة وحدة هويته الوطنية أو تضعفها بانقساماتها.
وغني عن الشرح أن انتهاج هذه النخب للخيار الأول يعزز شرعيتها الشعبية التي تتآكل بانتهاج الخيار الثاني، تقدم الأمر أو تأخر. لماذا؟
يتفهم الشعب الفلسطيني خلافات نخبه القيادية واختلافاتها وتباين أولوياتها السياسية والفكرية، لكنه قط لا يتفهم، أو يسمح، أو يتسامح مع، تغليب هذه الخلافات والاختلافات وتباين الأولويات على الأولوية الوطنية العامة التي دفع بدمه وتضحياته الجسيمة ثمن استمرارها ناظماً لكل الأولويات. فالذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني مثقلة بهذه الدماء والتضحيات التي تم تقديمها دفاعاً عن الوطن طوعاً وعن طيب خاطر، سواء خلال انتفاضات عشرينيات القرن الماضي رداً على "وعد بلفور" الاستعماري، 1917، الذي كشف نوايا جلب المهاجرين اليهود لفلسطين، أو خلال ثورة الشهيد الجليل عز الدين القسام التي عززت الوعي الوطني بالترابط القائم بين المشروع الصهيوني والمشروع الاستعماري الغربي، أو خلال ثورة 36-39 الكبرى ضد مشروع لجنة "إيرل بيل"، 1937، القاضي بتقسيم فلسطين إلى قسمين: تُقام على الأول "دولة لليهود"، ويُضم الثاني لإمارة شرق الأردن، أو خلال القتال الأسطوري الذي تجشم مصاعب ظرفه المجافي القائد الوطني الكبير عبد القادر الحسيني ضد قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين، (1947)، توطئة لقيام دولة إسرائيل، ليرحل شهيداً، (في 8/4/1948)، خذلته جيوش عربية تتلقى أوامرها من بريطانيا الموشكة على إنهاء انتدابها على فلسطين لمصلحة قيام "وطن قومي لليهود" فيها، أو خلال القتال الذي تواصل، (رغم هول صدمة النكبة ونتائجها الكارثية)، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأسس لإطلاق الشرارات الأولى للثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة عشية هزيمة، 1967، التي لم تفضِ إلى انطفاء هذه الشرارات، بل حولتها إلى حريق شامل من العمل الفدائي انطلق لهيبه من خارج حدود فلسطين، وامتد بسرعة البرق إلى داخلها، ولم يفضِ ضرب ركيزته في الأردن، 1970، إلى خموده، بل إلى انتقال مركز ثقله إلى لبنان الذي لم يفضِ إبعاد قوات الثورة الفلسطينية، بعد صمود أسطوري، عنه، (1982)، إلى خمود الثورة الفلسطينية، بل إلى انتقال مركز ثقلها إلى الوطن بهبات جماهيرية مهدت لاندلاع الانتفاضة الشعبية الكبرى، (1987- 1993)، أو خلال "هبة النفق" المسلحة، 1996 التي مهدت، وهبات جماهيرية تلتها، لاندلاع انتفاضة الأقصى، (2000 - 2004)، التي قدم الفلسطينيون خلالها أكثر تضحياتهم البشرية والمادية، كماً ونوعاً، مقابل تكبيد إسرائيل أكثر خسائرها البشرية والاقتصادية في حروبها على الجبهة الفلسطينية، وصولاً إلى الهبات الجماهيرية الجارية في أوساط فلسطينيي الضفة، وفلسطينيي 48، دون أن ننسى صمود غزة الأسطوري في حربيْ 2008 و2012، أو أن نتجاهل صمود فلسطينيي مخيمات اللجوء وتشبثهم بحقهم في العودة والتعويض، رغم ما يتعرضون له من نكبة جديدة، جددت لديهم التشرد والقتل والحصار والحرمان، بل والموت جوعاً أيضاً. والسؤال: لماذا كل هذا الكلام الذي لا جديد فيه؟
إنها الحاجة إلى التأكيد على أن المحتوى الشعبي للوطنية الفلسطينية، عدا تغلغل الثورة ثقافة وأشكالاً وأساليب وأدوات فعل في أوساط الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، هو، قبل أي عامل آخر، ما أفشل رهانات قادة إسرائيل على كل انقسامات النخب القيادية الفلسطينية السابقة.
لكن - من أسف - فإن هذا المحتوى الشعبي للوطنية الفلسطينية لم يكن السبب الأساس في إجبار طرفيْ الانقسام الحالي على إصدار "إعلان غزة" كخارطة طريق لتنفيذ بنود اتفاقاتهما لتوحيد الإرادة والجهود والإمكانات والطاقات الوطنية، بل انتظرا سبع سنوات حتى ثبت أن لا حركة "فتح"، ولا حركة "حماس"، بما في داخل كل منهما من تيارات ومراكز قوى، تستطيع منفردة أن تشكل طريقاً للخلاص الوطني، علماً أن سنوات انقسامهما السبع لم تفضِ إلى إضعاف المحتوى الشعبي للوطنية الفلسطينية وتشويه صورته وضرب قيمه، فحسب، بل أفضت أيضاً إلى إضعاف دور ومكانة وهيبة كل منهما، إن على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي، وبالذات على صعيد المجابهة مع الاحتلال وإدارة الصراع معه.
هنا ثمة درس وطني كبير على الجميع استيعابه، وهضم معانيه، وبناء السياسة، خطابا وممارسة، على أساسه، وهو درس من شقين:
الأول: ما كان ينبغي لقيادة "فتح" مواصلة الرهان على أن تجلب بالمفاوضات، إنجازاً وطنياً يعزز مكانتها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل الانتخابات التشريعية والمحلية في العام 2006.
فهذا الرهان وصل إلى طريق مسدود منذ زمن بعيد، بل وتأكد فشله أكثر، وبما لا يقبل مجالاً للشك، بقدوم حكومة المستوطنين التي يقودها نتنياهو التي لا تستهدف غير تحقيق المزيد من الأهداف الصهيونية وفرض شروط جديدة كالاعتراف بإسرائيل "دولة لليهود" الذي يفتح باب استكمال مخطط التطهير العرقي لفلسطينيي 48، وشطب حق العودة، والتسليم بوقائع الاستيطان والتهويد في الضفة وقلبها القدس، وتأبيد فصل الأخيرة عن قطاع غزة.
ناهيك عن أن إدارة أوباما تراجعت عن دعوتها لتجميد الاستيطان، وأعلنت أن "إسرائيل دولة يهودية"، ولم تدع يوماً إلى انسحاب الاحتلال إلى حدود الرابع من حزيران 1967.
بل وأيدت، وإن بصيغ ملتوية، مطالب إسرائيل في إبقاء سيطرتها على الأغوار، وعلى القدس الشرقية، وعلى الأراضي التي التهمها جدار الفصل والتوسع.
أما الشق الثاني: ما كان ينبغي لقيادة "حماس" مواصلة الرهان على أن يعزز صعود حركات الإسلام السياسي عموما، ووصول جماعة "الإخوان" إلى السلطة في مصر، خصوصاً، مكانتها الوطنية والعربية والإقليمية والدولية.
فهذا أيضاً رهان فاشل من أساسه لأن ما حازته "حماس" من تأييد شعبي فلسطيني في صندوق الاقتراع لم يكن بسبب خيارها الأيديولوجي، بل كان بسبب أنها حركة مقاومة وطنية ضد الاحتلال.
وقد جاءت مجريات الموجة الثانية للثورة المصرية التي أطاحت سلطة "الإخوان"، لتبرهن على فشل هذا الرهان وعقمه، بل وأدخلت قيادة "حماس" في مأزق مستعصٍ.
فمصر في التحليل الأخير، والحالات كافة، هي أنبوبة الأكسجين التي يتنفس منها قطاع غزة المحاصر، ناهيك عن أن تحولات الموقف المصري من "حماس" فاقمت تداعيات خسارة الحركة لمحور إيران - سوريا - حزب الله، بفعل موقفها الأيديولوجي ذاته من الأزمة السورية.


