خبر : "الخضر" مخطوفاً وقديساً لإنجلترا ...بقلم: د. خالد الحروب

الإثنين 28 أبريل 2014 09:52 ص / بتوقيت القدس +2GMT
"الخضر" مخطوفاً وقديساً لإنجلترا ...بقلم: د. خالد الحروب



في قلب أسبوع الفصح المقدس الذي يمر بنا الآن ثمة قصة فلسطينية (وغربية) لها مذاق خاص.

إنها قصة "سيدنا الخضر" أو "مار جرجس" ابن مدينة اللد الفلسطينية والمنتشرة كنائسه في قلب البلاد بدءًا من مسقط رأسه مرورا بالطيبة ثم، أهمها، في قرية الخضر، سميته، غرب بيت لحم.
في الثالث والعشرين من نيسان كل عام يحتفل العالم المسيحي بعيد القديس "مار جرجس" الذي تحولت رايته مع الزمن إلى علم انجلترا، وبعد أن صار معروفا باسمه الغربي "سانت جورج".
يرفرف هذا العلم المعروف الآن باسم "علم القديس جورج" في طول المدن الأوروبية وعرضها، وصورته المشهورة وهو يصارع الوحش الكبير ويصرعه وهو على فرسه تحولت إلى أيقونة منحوتة في الوجدان الشعبي على كثرة ما هي منتشرة ومطبوعة في كل مكان.
في انجلترا وحدها هناك ما يزيد على مائة بلدة وقرية اسمها "سان جورج"، والشيء ذاته في أوروبا كلها.
على مدى ما يقارب من ألف عام حارب الانجليز تحت راية سان جورج كل حروبهم، ومن أجله مات كثيرون.
الراية البسيطة التي ظلت مرفوعة في المعابد الفلسطينية منذ القرن الرابع الميلادي وهي تعلي من شأن هذا القديس الذي استشهد شابا دفاعا عن معتقداته، بحسب الرواية المسيحية، أو تعلي من شأن "العبد الصالح" بحسب الرواية الإسلامية، تم اختطافها مع الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر، وترحيلها إلى الغرب، وإعادة إنتاجها إلى راية حروب ودماء بعد أن كانت راية حب وسلام.
صورة الفارس المحارب التي ضخمتها المخيلة الشعبية الغربية عن "مار جرجس" كان الهدف منها تسويغ الحروب الوحشية التي كانت دوافعها السيطرة والنفوذ والسياسة وتجميع الثروات تحت مبرر تحرير القدس من سيطرة الكفار.
الإرث الحقيقي لـ "مار جرجس" أو "سيدنا الخضر" في فلسطين والمنطقة هو خليط العيش المشترك والبسيط ومقاومة الشر والوقوف في وجه الاعتداء والمعتدين.
أعمق ترجمة لذلك الإرث هي تداخل الروايات الدينية والتاريخية حيث جوهر القصة ذاتها، والشخصية نفسها، يتم تقديمها في سردية دينية هنا وسردية هناك: "سيدنا الخضر" هو "مار جرجس"، المسلمون والمسيحيون يقدسون الشخصية ذاتها كل بطريقته.
على الأرض تجاورت الأديرة والمعابد والجوامع ومقامات الأولياء وتبادل الجميع زيارة المزارات جميعا والتبرك فيها.
العيش المشترك ظل ديدن الناس حيث انمحت فوارق كثيرة إلى درجة أذهلت الرحالة الأوائل إلى فلسطين في القرون اللاحقة حيث لم يتمكنوا من معرفة المسيحي والمسلم في فلسطين.
والد "مار جرجس" جاء من تركيا، وأمه فلسطينية من اللد، وهو ولد هناك وبقي في المنطقة إلى أن قُتل.
عندما سقطت القدس في أيدي الغربيين في القرن الحادي عشر، وتحت تحالف المصالح بين ملوك الغرب وبابوات الكنيسة الطامعين بالثروات أيضا، أعملت جيوشهم السيف في رقاب بشر القدس وبيت لحم والمنطقة كلها، وشهدت المدن الوديعة أنهارا من الدم لم ترها من قبل.
حزن "سيدنا الخضر" وحزن "مار جرجس" وأنكرا فعلة الدم التي قام بها الغزاة والناهبون.
لم يتوقف الأمر عند نهب الثروات وبسط السيطرة والجبروت، فقد أراد الغزاة أن يسوغوا فعلتهم بتبرير ديني فأشاعوا أن "مار جرجس" ظهر للجنود الغزاة وهم يقتلون ويذبحون ووقف إلى جوارهم وباركهم.
انتشرت القصة كالنار في الهشيم، ثم تطورت وزيد عليها مرويات ومبالغات، وأحيل الفوز بالمعارك كله إلى القديس الذي كان يرعى الجيوش.
تحول "سيدنا الخضر" و"مار جرجس" إلى جنرال كولونيالي يرافق جنودا غزاة، ويبارك لهم سفح الدم وسرقة أموال الناس واغتصاب نسائهم.
حمل جنود أوروبا راية "مار جرجس" من اللد والطيبة وبيت لحم بعد أن نقعوها بالدم وعادوا بها إلى بلدانهم ورفعوها في كل مكان.
صار "أمير الشهداء" كما يُعرف في اللاهوت المسيحي بسبب صموده الأسطوري في وجه الامبراطور داديانوس وتحمله العذاب ثم استشهاده، أميرا للحرب والغزو والتوحش.
وتم اختطاف سيرته وتاريخه وتكفلت المخيلات الشعبية الخصبة بإكمال الصورة الخرافية وإعادة التأهيل الأوروبي للقديس الشرقي.
وعندما زحفت العقود أكثر نحو حقب الكشوفات الجغرافية وخاصة البحرية كانت راية "سان جورج" تعلو السفن الإسبانية والبرتغالية التي جابت البحار، من شرق الأطلسي نحو الجنوب التفافاً حول رأس الرجاء الصالح، ثم شمالا وإحاطة بالقارة السمراء، وغربا نحو العالم الجديد واكتشاف الأميركيتين.
"سيدنا الخضر" أو "مار جرجس" وصل أميركا مع كريستوفر كولومبس وبقي هناك مرافقا للأوروبيين البيض يحضهم على طحن السكان الأصليين من الهنود الحمر ويبرر لهم سفح دمهم والتخلص منهم.
في غزواتهم وتوسيع مناطق نفوذهم الشاسعة عبر المحيطات ثم بلدان الداخل الإفريقي إلى الهند ومرورا بالخليج كانت راية "سان جورج" ترفرف أيضا فوق السفن الحربية البرتغالية.
تقف السفن قبالة أية مدينة إفريقية ساحلية ثم تنصب مدافعها باتجاه الناس المتجمعين المندهشين من المركب الكبير والهياكل الحديدية المستطيلة التي تحملها، المدافع، ويبحلقون فيها طويلا، وما أن تتجهز وتصير مستعدة لقذف الموت والدمار حتى تنهال عليهم بحمم النار، بينما قادة السفن والجيش يبتسمون تحت راية "سان جورج".
وفي قرون الاستعمار المباشر وانتقال راية غزو العوالم غير الأوروبية إلى البريطانيين والفرنسيين والطليان انتقلت على تلك الراية صورة القديس الشاب الفارس وهو يطعن التنين برمحه الطويل.
تحول "سان جورج" إلى قديس الهوية الانجليزية والبريطانية وصار أحد أهم أساطيرها المؤسسة.
حان الوقت أيها القديس البريء أن تطالب بك مدنك الوادعة: اللد، والطيبة، وبيت لحم، والخضر، والقدس.
وحان الوقت للقول إن الحرب الأهم التي خضتها كانت ضد ذلك الوحش الذي احتل نبع البلد وحرم الناس من الوصول إلى الماء.
صاروا يقدمون له أطفالهم بعيدا عن النبع ويذهب كل يوم لتناول طعامه اليومي فيترك النبع للناس ساعة أو ساعتين ليأخذوا ماءهم.
كان عليهم أن يقدموا فلذات أكبادهم قرباناً للوحش كي يستمروا على قيد الحياة.
كان سيدنا الخضر أو مار جرجس هو من قرر وضع حد لهذه المأساة، فواجه الوحش وحيدا على فرسه وأخضعه ثم قتله.

Email; khaled.hroub@yahoo.com