حين يجري الاحتكام إلى مبادئ وقواعد العمل السياسي، وهي في معظمها مبادئ متحركة بقدر تحرك موازين القوى، ومعها تحرك المصالح، والأحداث المرتبطة بها، حين يفعل الفاعلون السياسيون ذلك، يترتب عليهم أن يرفعوا إلى مستويات متقدمة طاقة العقل على العمل وإنتاج الحلول لقضايا، تبدو صعبة، مع مستوى متدنٍ وكسول لعمل العقل.
في السياسة، لا مجال للأخلاق، ولا مجال للنوايا، أو القيم الأيديولوجية، أو التمنيات والصلوات، والأحلام السياسية تحتكم إلى استراتيجيات تتمتع بقدر عالٍ من الثبات والوضوح، وإلى تكتيكات تتمتع بأقصى درجات الحركة والتغير، والنسبية، والبراغماتية التي قد تنقل القول أو الفعل السياسي، عبر مساحات واسعة من المرونة، وتغير الألوان حتى من الأبيض إلى الأسود، أو العكس من ذلك.
هذا ليس درساً في السياسة، وإنما هي محاولة لمقاربة المواقف الفلسطينية بين اليوم والأمس، بعيداً عن التوظيفات التي تسعى للتشفي، أو تسقط انتصارات على طرف وهزائم على الطرف الآخر، بمعزل عما يقع على المستويات الوطنية من تراجعات أو إنجازات.
توقيع اتفاق تنفيذ المصالحة في غزة، جاء في وقت مهم جداً، ارتباطاً بحاجات وضرورات السياسة الفلسطينية، بالرغم من أن أحداً لا يستطيع تجاهل المتغيرات والعوامل الضاغطة التي دفعت الطرفين حماس وفتح، نحو الاستجابة للحظة الضرورة، دون تدخل، أو ضغط أو مساعدة من أي طرف آخر.
لحظة الضرورة تتلخص في معادلة بسيطة تبدو واضحة رغم أن البعض يحاول إنكارها.
هذه المعادلة مؤشر على أن الطرفين، لم يجدا أي مخرج للأزمات المتفاقمة التي يعانيان منها، ولا تزال تتفاقم، سوى مخرج المصالحة، كمخرج اجباري.
ربما كان علينا التنويه بأن قرار الرئيس واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بإرسال وفد المنظمة إلى غزة، ولغرض تحقيق النجاح، وليس للمماحكة، أو الاستعراض، أو التهديد والتوظيف، هذا القرار ينطوي بالنسبة للبعض وفي توقيته، على بعد توظيفي، حيث جاء في سياق الرد على القرار الإسرائيلي بعدم الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى، وتعطيل المفاوضات.
غير أن علينا، أن نصدق هذه المرة، بأن الدوافع والأهداف، كانت حقيقية وصادقة، وجادة، خصوصاً بعد أن استمعنا إلى خطاب الرئيس محمود عباس أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الذي انعقد يوم السبت وأنهى أعماله يوم أمس الأحد، قبل يومين من انتهاء المهلة المتفق عليها لنهاية المفاوضات الجارية والذي يصادف يوم غد الثلاثاء التاسع والعشرين من الجاري.
التدقيق في مفردات وما ورد في خطاب الرئيس من موقع أيديولوجي، قيمي أو من مواقع سياسية ثابتة في التزامها برفض كل مجرى التسوية، هذا التدقيق سيصل إلى نتيجة بأن الخطاب انهزامي، استسلامي، يؤسس للتفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية، إن لم يكن بكليتها فببعض أهمها.
ولكن ثمة انسجاما في خطاب الرئيس، لم يخرج عن طبيعة تفكيره وبرنامجه، وما تراكم منذ أوسلو، من تداعيات، لكنه خطاب يصلح للتدريس في علم التكتيك والسياسة.
خطاب الرئيس كما نفهم رسائله، موجه للمجتمع الدولي، وعلى نحو خاص موجه للولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، في ضوء المواقف التي صدرت متحفظة أو خجولة، أو تنطوي على مجاملة وتساوق مع الموقف الإسرائيلي الغاضب من اتفاق تنفيذ المصالحة.
الخطاب ينزع عن كل هذه المواقف، كل الذرائع والمبررات، التي أرادت من مواقع الانحياز للمواقف الإسرائيلية، أو من مواقع التحفظ، أن تخفي حقيقة أن إسرائيل هي الطرف الذي يتحمل وحده المسؤولية عن فشل المفاوضات، وعملية السلام.
بعض التصريحات الإسرائيلية من موقع مسؤول، وضعت المصالحة والخطاب على أنه يطلق رصاصة الرحمة على عملية السلام، وهذه حقيقة من حيث إن المصالحة والخطاب في سياق المحاولات الأميركية لجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، قد أدت إلى فضح المخططات الإسرائيلية، التي تغادر كلياً مربع البحث عن السلام، إلى مربع تصفية القضية الفلسطينية.
لا ينبغي أن يتطوع أحد من الموالين والمدافعين عن إسرائيل، سوى الداعمين لسياساتها، والمتواطئين معها، أن يتحدث عن إمكانية تحقيق السلام في ظل موازين القوى القائمة، أو عن أن إسرائيل مستعدة للبحث في تحقيق السلام مع الفلسطينيين، ذلك أن مثل هذا الحديث ينطوي على تضليل وكذب، وعلى مساعدة المحتل لكي يواصل احتلاله.
في ظروف ما قبل توقيع اتفاق تنفيذ المصالحة، كان خطاب الرئيس، سيتعرض، لانتقادات لاذعة، واتهامات قاسية من قبل المعارضة الفلسطينية، غير أن التغيير الذي وقع خلال الأسبوع الماضي في ميدان العلاقات الداخلية الفلسطينية قدم لنا نموذجاً آخر، في سلامة التكتيك السياسي، حيث تتكامل المواقف، لتقدم مشهداً سياسياً فلسطينياً راقياً.
حركة حماس رحبت بالخطاب، رغم تعبير الناطقين باسمها عن رفضهم للمفاوضات ومطالبتهم بوقفها، وهذا الترحيب كان لافتاً بالمعنى الإيجابي ومفيداً لتعزيز الحملة الفلسطينية لسحب الذرائع الإسرائيلية الأميركية، ومنع الطرفين من إلقاء مسؤولية فشل المفاوضات على الطرف الفلسطيني.
المهم أن حركة حماس فعلت ذلك، بما يدل على إدراك حكيم لمقتضيات التكتيك السياسي، رغم أن مجاراة ماضي المواقف، كان سيجعلها تعترض بقوة على قول الرئيس إن حكومة التوافق الوطني بما أنها حكومته، فهي تعترف بإسرائيل وتنبذ الإرهاب، وتلتزم بالاتفاقيات والالتزامات المترتبة على منظمة التحرير.
ولولا لحظة الضرورة لكان هذا القول وحده، ودون أن نمر على ملاحظات أخرى، عاملاً مفجراً لأي اتفاق يتعلق بالمصالحة.
ماذا ستقول الإدارة الأميركية، وماذا سيقول الموالون لإسرائيل، بعد هذا الموقف الذي يطرحه الرئيس، وهذا الموقف من حركة حماس، وكيف لهم أن يطالبوا الفلسطينيين بما هو أكثر؟! إن إسرائيل في وضع صعب على المستوى الدولي، وستفشل حملاتها الدعائية والإعلامية لإقناع الرأي العام العالمي، بعكس ما هي عليه، تماماً كما فشلت وزارة خارجيتها حين جندت إمكانيات كبيرة لوقف المقاطعة الاقتصادية لبضائع المستوطنات.
يحتاج الفلسطينيون إلى تحقيق التناغم في المواقف بين السياسة العامة والمعارضة، بما يعزز الحملة الناجحة لتهيئة المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، لمناصرة فلسطين وتعظيم إنجازاتها، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، حين يأتي موسم العمل.
بقي أن نقول إن العرب أمام الامتحان، إذ عليهم أن يقوموا بتوفير كل ما تتطلبه عملية حماية الموقف الفلسطيني مادياً وسياسياً، وعلى اعتبار أن السياسة الفلسطينية تقف في خط الدفاع الأول عن مصالحهم.


