خبر : الهجوم الفلسطيني الإستراتيجي المعاكس بدأ الآن ... بقلم: حسين حجازي

السبت 26 أبريل 2014 09:09 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الهجوم الفلسطيني الإستراتيجي المعاكس بدأ الآن ... بقلم: حسين حجازي



الانتصار على الذات وتصفية التفكك الداخلي أولاً:
انتصر الفلسطينيون على أنفسهم وأعادوا السلام إلى بيتهم، عاقدين المصالحة أولاً مع ذاتهم قبل أن يذهبوا الى عقده مع عدوهم، ان كان لهذا الصلح أن يتحقق يوماً ما. والمسألة واضحة قالها السيد المسيح ابن هذه الأرض وعلى هذه الأرض : "كل بيت ينقسم على نفسه مصيره الدمار". وقد نجونا الآن أيها الفلسطينيون من هذا الدمار الذاتي، الذي هو أصعب من الطاعون وكل تهديدات إسرائيل وأميركا. وحيث أميركا هي الطاعون قال شاعرنا أيضا منذ زمن، فالسلام أولا داخل البيت وبعد ذلك كل شيء مقدور عليه، حين يتعلم الفلسطينيون بعد الآن على جلدهم ويعلمون انفسهم بأنفسهم بكل جماع ذكائهم وعنفوانهم شيوخهم وشبابهم، انه ليس أمامهم سوى وحدهم يهتدون الى الوسيلة التي بها يقهرون خيال عدوهم. فنحن هنا يا نتنياهو وليبرمان لا "فتح" تخشى "حماس" ولا "حماس" تخشى من "فتح" واللعبة السخيفة انتهت.

بشروا ولا تنفروا
ستعاقبنا إسرائيل وربما أميركا وربما الشيطان الذي ينتظرنا في التفاصيل، ومعهم أيضا ويضاف اليهم كل أولئك الذين كانوا يصرخون ويولولون ليل نهار، من بين ظهرانينا عن كارثة الانقسام، ولما قربت ساعة إنهاء الانقسام لم يصدقوا وحاولوا بث الشك التنفير بدل التبشير، ولما صار الأمر حقيقة تلعثموا وحبسوا ألسنتهم وكأن على رؤوسهم الطير، أولئك المستترون غربان الشؤم يمكن ان يعاقبونا، وقد نمر بضائقة شديدة وسيرى البعض من خفافيش الظلام يقرأ علينا من الذي انتصر على من؟ من الذي كسب ومن الذي خسر؟ وقد كان لماحاً وسباقاً هذا القيادي الضليع عزام الأحمد حين خاطب الإعلام الفلسطيني، مطالباً إياه بالدعم في هذه اللحظة. لم تنتصر "فتح" على "حماس" ولا "حماس" على "فتح"، لقد انتصرا معا على انفسهم وعلى إسرائيل.
يعاقبنا كل من ورد ذكرهم آنفا، ولكني أقول لكم أيها الفلسطينيون، ان كل هذه العقوبات لا تساوي في ميزان الواقع، الحقيقة، والتاريخ معاقبتنا وظلمنا لأنفسنا، لو أننا لم نقوَ على هذا الانتصار.

الإستراتيجية على أصولها
هذه هي ممارسة الإستراتيجية على أصولها باعتبارها نوعاً من الفن الخلاق، أن تواصل الضرب المتلاحق على رأس الإزميل بالشاكوش بلا توقف وبلا هوادة، لكي تحدث الخرق في الجدار. هل عرفت الآن يا بنيامين نتنياهو ان ساعة الحقيقة قد حانت؟ وبعد الانضمام الى الـ 15 اتفاقاً ومعاهدة دولية فإن الإنزال يحدث هكذا بصورة مفاجئة ومباغتة على شاطئ البحر في مخيم الشاطئ. المصالحة مع "حماس" نعم، ولو كان الظرف يحتمل نوعاً من التفكه او الفانتازيا، فقد يكون السؤال ماذا حل بالاعتراف بيهودية الدولة بعد الآن؟ ماذا حل بترف الطلب من محمود عباس الاعتراف بيهودية الدولة بعد ان أصبحت المسألة المؤرقة لواشنطن، هي اعتراف حكومة الوحدة الوطنية الجديدة بإسرائيل. وقالت "حماس" مراراً على لسان إسماعيل هنية انها لن نعترف بإسرائيل، فهل تكون المقايضة الآن على ثمن صمت "حماس" فقط عن الموضوع، وفتح المجال أمام أبو مازن للمناورة بهذه الورقة بعد أن أحرق أبو مازن وهنية ورقة الدولة اليهودية.

كضربة ثنائية موجعة
إعادة خلط الأوراق
شهدتُ شخصياً في مثل هذه الأيام من شهر نيسان العام 1987، في قاعة قصر الصنوبر في الجزائر مهرجان حفل التوقيع على انتهاء الانقسام الفلسطيني آنذاك، بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية و"فتح". كان ذالك في زمن القادة الشيوخ وفي المقدمة ياسر عرفات، وكان نجم الحفل جورج حبش الحكيم، ببدلته البيضاء وعصاه التي يتكئ عليها، ويتوسطهما صلاح خلف (أبو إياد) والى جوارهم خليل الوزير (ابو جهاد ). وسوف يخاطب عرفات حبش "يا حكيم الثورة وضميرها ". لكن أحداً في ذلك الوقت لم يعر اهتماماً الى ان الانقسام الحقيقي لم يكن بين هذين الممثلين لليسار حبش وحواتمة وبين عرفات، ولكن الأزمة والانقسام الحقيقي كان في الانشقاق الذي قاده العقيد ابو موسى في "فتح"، وكان الخصم الأساسي الذي يقف أمام عرفات هو الرئيس السوري حافظ الأسد.


لقد أعطى عرفات الكلمة السحرية التي طلبها حبش وحواتمة، إعادة توحيد منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة العداء للإمبريالية الأميركية. واحتد صارخاً في وجهي نايف حواتمة أمد الله في عمره اكثر من مرة، بينما كنت استفزه بأسئلتي وهو يتحدى صحيفتي ان كانت ستجرؤ على نشر أجوبته رداً على أسئلتي، فيما كان رجل واحد يراقبنا بفضول يغلب عليه الابتسام، وكان هذا الرجل الذي يجلس قبالتنا هو محمود عباس (أبو مازن)، ولا زلت أذكره بشاربه الأسود المحفوف بعناية وأناقة لباسه غير المتكلف.


كان إنهاء الانقسام سهلاً وبجرة قلم بسيطة كما كان إنهاء الانقسام ظهر يوم الأربعاء في منزل إسماعيل هنية، لم يستغرق سوى جلستين. فهل ندرك الآن ان الانقسام الحقيقي ما كان أيضا في المرة الثانية بين "فتح" و"حماس"، بل كان يضرب في حقيقته على محور او مفصل خفي، هو ما سمي في حينه بأزمة صراع الأجيال داخل "فتح" نفسها وليس بين أبو مازن وهنية، او بين "فتح" و"حماس". حين اقر الرجل بفوز "حماس" وكلف هنية بتشكيل الحكومة، وكتبت هنا مبكراً في حينه منبهاً ومحذراً "حماس" من عدم الخطأ، من أن هذا الرجل هو الحليف لكم وكان من الواضح أن ثمة من تدخل لإفساد ومنع هذه الشراكة وقتلها في مهدها.


على يد رجلين من الجيل الثاني في "فتح" و"حماس" تم الإعلان والتوقيع على نهاية الانقسام، سوف أقابل عزام الأحمد سفيرنا في العراق العام 1978، حين كانت العراق تدعم انشقاق أبو نضال. وبدا لي هذا الممثل المخلص لـ "فتح" وعرفات في بغداد وسط كل هذه الضغوط والحملات الإعلامية، ضد الخط السياسي لـ "فتح" وعرفات، كما لو انه رجل المهمات الصعبة الذي اختير بذكاء من عرفات لمواجهة هذا العراك في ملعب على ارض الخصم.


ولعلني أرى اليوم دلالة رمزية في حفل التوقيع في بيت إسماعيل هنية، على إنهاء هذا الفصل المشؤوم بمثابة رد الاعتبار لهذا الجيل الثاني، وتعبيرا عن إعادة تصحيح مسار خاطئ. وبهذه الضربة اللامعة خرجوا جميعا من مأزق، وأكاد أقول من مؤامرة وخطة كانت تستهدف التخلص من كليهما "فتح" و"حماس" معاً، الأولى بخلق أزمة تمثيل داخلي، والثانية بتطويقها بين كفي كماشة وإنهاء سلطتها في غزة.


لقد كان الصراع القادم على غزة يلوح في الأفق كنذر مشؤومة في مخطط نتنياهو للهروب من استحقاق المفاوضات في الضفة، وللانقلاب على أبو مازن و"حماس" معا. والذي حدث أن أبو مازن و"حماس" تغديا بنتنياهو واستبقا المؤامرة التي كانت تعني الحاق الهزيمة بهما معاً على مراحل متعاقبة، قبل ان يؤكل الواحد منهم قبل الثاني على طريقة الثور الأبيض. وللإنصاف والتاريخ فإن الفضل في هذه الضربة الاستباقية التي تعني اليوم بداية التحول الفلسطيني، في الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي المعاكس، لا يعود الفضل فيه الى أحدهما وإنما للإثنين معا أبو مازن وإسماعيل هنية على حد سواء، وهذا ما أغاظ خصومهما وجعل هذه الضربة الثنائية موجعة أكثر.